وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ، فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ »
. .
والمقت : أشد الكره . وهم ينادون من كل جانب . إن مقت اللّه لكم يوم كنتم تدعون إلى الإيمان فتكفرون ، أشد من مقتكم لأنفسكم وأنتم تطلعون اليوم على ما قادتكم إليه من شر ونكر ، بكفرها وإعراضها عن دعوة الإيمان ، قبل فوات الأوان . . وما أوجع هذا التذكير وهذا التأنيب في ذلك الموقف المرهوب العصيب ! والآن - وقد سقط عنهم غشاء الخداع والضلال - يعرفون أن المتجه للّه وحده فيتجهون :
« قالُوا : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ، فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا ، فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ »
. .
وهي كلمة الذليل اليائس البائس . .
« رَبَّنا »
. . وقد كانوا يكفرون وينكرون . أحييتنا أول مرة فنفخت الروح في الموات فإذا هو حياة ، وإذا نحن أحياء . ثم أحييتنا الأخرى بعد موتنا ، فجئنا إليك . وإنك لقادر على إخراجنا مما نحن فيه . وقد اعترفنا بذنوبنا .
« فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ؟ »
. بهذا التنكير الموحي باللهفة واليأس المرير .
هنا - في ظل هذا الموقف البائس - يجبههم بسبب هذا المصير :
« ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ، وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ، فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ »
.
فهذا هو الذي يقودكم إلى ذلك الموقف الذليل . إيمانكم بالشركاء ، وكفركم بالوحدانية . فالحكم للّه العلي الكبير : وهما صفتان تناسبان موقف الحكم . الاستعلاء على كل شيء ، والكبر فوق كل شيء . في موقف الفصل الأخير .
وفي ظل هذا المشهد يستطرد إلى شيء من صفة اللّه تناسب موقف الاستعلاء ؛ ويوجه المؤمنين في هذا المقام إلى التوجه إليه بالدعاء ، موحدين ، مخلصين له الدين ؛ كما يشير إلى الوحي للإنذار بيوم التلاقي والفصل والجزاء ، يوم يتفرد اللّه بالملك والقهر والاستعلاء :
« هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ ، وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً ، وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ . فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ، وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ . رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ، ذُو الْعَرْشِ ، يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ . يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ . لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ؟ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ . الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ . لا ظُلْمَ الْيَوْمَ . إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ »
. .
« هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ »
. . وآيات اللّه ترى في كل شيء في هذا الوجود . في المجالي الكبيرة من شمس وكواكب ، وليل ونهار ، ومطر ويرق ورعد . . وفي الدقائق الصغيرة من الذرة والخلية والورقة والزهرة . .
وفي كل منها آية خارقة ، تتبدى عظمتها حين يحاول الإنسان أن يقلدها - بله أن ينشئها - وهيهات هيهات التقليد الكامل الدقيق ، لأصغر وأبسط ما أبدعته يد اللّه في هذا الوجود .
« وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً »
. . عرف الناس منه المطر ، أصل الحياة في هذه الأرض ، وسبب الطعام والشراب . وغير المطر كثير يكشفه الناس يوما بعد يوم . ومنه هذه الأشعة المحيية التي لولاها ما كانت حياة على هذا الكوكب الأرضي . ولعل من هذا الرزق تلك الرسالات المنزلة ، التي قادت خطى البشرية منذ طفولتها ونقلت أقدامها في الطريق المستقيم ، وهدتها إلى مناهج الحياة الموصولة باللّه ، وناموسه القويم .