تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3016

مساهمون:

ص٣٠١٦
هذا الدرس كله قصص وأمثلة من حياة الرسل - صلوات اللّه عليهم - تعرض كي يذكرها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ويدع ما يعانيه من قومه من تكذيب واتهام وتعجيب وافتراء ؛ ويصبر على ما يواجهونه به مما تضيق به الصدور . وهذا القصص يعرض - في الوقت ذاته - آثار رحمة اللّه بالرسل قبله : وما أغدق عليهم من نعمة وفضل ، وما آتاهم من ملك وسلطان ومن رعاية وإنعام . وذلك ردا على عجب قومه من اختيار اللّه له . وما هو ببدع من الرسل . وفيهم من آتاه اللّه إلى جانب الرسالة الملك والسلطان ؛ وفيهم من سخر له الجبال يسبحن معه والطير ؛ وفيهم من سخر له الريح والشياطين . . كداود وسليمان . . فما وجه العجب في أن يختار اللّه محمدا الصادق لينزل عليه الذكر من بين قريش في آخر الزمان ؟ كذلك يصور هذا القصص رعاية اللّه الدائمة لرسله ، وحياطتهم بتوجيهه وتأديبه . فقد كانوا بشرا - كما أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بشر - وكان فيهم ضعف البشر . وكان اللّه يرعاهم فلا يدعهم لضعفهم ؛ إنما يبين لهم ويوجههم ، ويبتليهم ليغفر لهم ويكرمهم . وفي هذا ما يطمئن قلب الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلى رعاية ربه له ، وحمايته وحياطته في كل خطوة يخطوها في حياته .
« اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ، وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ ، إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ . وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ . وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ »
. .
« اصْبِرْ »
. . إنها الإشارة إلى الطريق المطروق في حياة الرسل - عليهم صلوات اللّه - الطريق الذي يضمهم أجمعين . فكلهم سار في هذا الطريق . كلهم عانى . وكلهم ابتلي . وكلهم صبر . وكان الصبر هو زادهم جميعا وطابعهم جميعا . كل حسب درجته في سلم الأنبياء . . لقد كانت حياتهم كلها تجربة مفعمة بالابتلاءات ؛ مفعمة بالآلام ؛ وحتى السراء كانت ابتلاء وكانت محكا للصبر على النعماء بعد الصبر على الضراء . وكلتاهما في حاجة إلى الصبر والاحتمال . . ونستعرض حياة الرسل جميعا - كما قصها علينا القرآن الكريم - فنرى الصبر كان قوامها ، وكان العنصر البارز فيها . ونرى الابتلاء والامتحان كان مادتها وماءها . . لكأنما كانت تلك الحياة المختارة - بل إنها لكذلك - صفحات من الابتلاء والصبر معروضة للبشرية ، لتسجل كيف تنتصر الروح الإنسانية على الآلام والضرورات ؛ وكيف تستعلي على كل ما تعتز به في الأرض ؛ وتتجرد من الشهوات والمغريات ؛ وتخلص للّه وتنجح في امتحانه ، وتختاره على كل شيء سواه . . ثم لتقول للبشرية في النهاية : هذا هو الطريق . هذا هو الطريق إلى الاستعلاء ، وإلى الارتفاع . هذا هو الطريق إلى اللّه .
« اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ »
. . وقد قالوا :
« هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ »
. . وقالوا :
« أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً ؟ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ »
. . وقالوا :
« أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا ؟ »
. . وغير ذلك كثير . واللّه يوجه نبيه إلى الصبر على ما يقولون . ويوجهه إلى أن يعيش بقلبه مع نماذج أخرى غير هؤلاء الكفار . نماذج مستخلصة كريمة . هم إخوانه من الرسل الذين كان يذكرهم - صلّى اللّه عليه وسلّم - ويحسن بالقرابة الوثيقة بينه وبينهم ؛ ويتحدث عنهم حديث الأخوة والنسب والقرابة . وهو يقول . . رحم اللّه أخي فلانا . . أو أنا أولى بفلان .
« اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ »
. .
في ظلال القرآن — صفحة 3016 | سيد قطب