« بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي . بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ »
. .
إنهم يسألون :
« أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا ! »
. . وهم في شك من الذكر ذاته ، لم تستيقن نفوسهم أنه من عند اللّه ؛ وإن كانوا يمارون في حقيقته ، وهو فوق المألوف من قول البشر مما يعرفون .
ثم يضرب عن قولهم في الذكر ، وعن شكهم فيه ، ليستقبل بهم تهديدا بالعذاب ،
« بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ »
. .
وكأنما ليقول : إنهم يقولون ما يقولون لأنهم في منجاة بعد من العذاب ؛ فأما حين يذوقونه فلن يقولوا من هذا شيئا ، لأنهم حينئذ سيعرفون ! ثم يعقب على استكثارهم رحمة اللّه لمحمد في اختياره رسولا من بينهم ، بسؤالهم إن كانوا يملكون خزائن رحمة اللّه ، حتى يتحكموا فيمن يعطون ومن يمنعون :
« أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ؟ »
. .
ويندد بسوء أدبهم مع اللّه ، وتدخلهم فيما ليس من شأن العبيد . واللّه يعطي من يشاء ويمنع من يريد . وهو العزيز القادر الذي لا يملك أحد أن يقف لإرادته . وهو الوهاب الكريم الذي لا ينفد عطاؤه .
وهم يستكثرون على محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يختاره اللّه . فبأي حق وبأية صفة يوزعون عطاء اللّه ؟
وهم لا يملكون خزائن رحمته ؟ !
« أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ؟ »
. .
وهي دعوى لا يجرءون على ادعائها . ومالك السماوات والأرض وما بينهما هو الذي يمنح ويمنع ، ويصطفي من يشاء ويختار . وإذ لم يكن لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فما بالهم يدخلون في شؤون المالك المتصرف فيما يملك بما يشاء ؟
وعلى سبيل التهكم والتبكيت عقب على السؤال عما إذا كان لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما . بأنه إن كان الأمر كذلك
« فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ »
. . ليشرفوا على السماوات والأرض وما بينهما ، ويتحكموا في خزائن اللّه ؛ ويعطوا من يشاءون ويمنعوا من يشاءون . كما هو مقتضى اعتراضهم على اختيار اللّه المالك المتصرف فيما يملك بما يشاء ! ثم أنهى هذا الفرض التهكمي بتقرير حقيقتهم الواقعية :
« جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ »
. .
إنهم ما يزيدون على أن يكونوا جندا مهزوما ملقى
« هُنالِكَ »
بعيدا ؛ لا يقرب من تصريف هذا الملك وتدبير تلك الخزائن . ولا شأن له فيما يجري في ملك اللّه ؛ ولا قدره له على تغيير إرادة اللّه ؛ ولا قوة له على اعتراض مشيئة اللّه . .
« جُنْدٌ ما »
. . جند مجهول منكر هين الشأن ،
« مَهْزُومٌ »
. . كأن الهزيمة صفة لازمة له ، لاصقة به ، مركبة في كيانه !
« مِنَ الْأَحْزابِ »
. . المختلفة الاتجاهات والأهواء ! وما يبلغ أعداء اللّه ورسوله إلا أن يكونوا في هذا الموضع الذي تصوره ظلال التعبير القرآني ، الموحية بالعجز والضعف والبعد عن دائرة التصريف والتدبير . . مهما تبلغ قوتهم ، ويتطاول بطشهم ، ويتجبروا في الأرض فترة من الزمان .
ويضرب اللّه الأمثال لأولئك المتجبرين على مدار القرون ؛ فإذا هم
« جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ »
:
« كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ ، وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ . أُولئِكَ الْأَحْزابُ .