والأسطورة الأخرى . أسطورة الصلة بينه - سبحانه - وبين الجنة :
« وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً . وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ »
. .
وكانوا يزعمون أن الملائكة هم بنات اللّه - بزعمهم - ولدتهم له الجنة ! وذلك هو النسب والقرابة ! والجن تعلم أنها خلق من خلق اللّه . وأنها محضرة يوم القيامة بإذن اللّه . وما هكذا تكون معاملة النسب والصهر ! وهنا ينزه ذاته سبحانه عن هذا الإفك المتهافت :
« سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ »
. .
ويستثنى من الجن الذين يحضرون للعذاب مكرهين تلك الطائفة المؤمنة . وقد كان في الجن مؤمنون . .
« إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ »
. .
ثم يتوجه الخطاب إلى المشركين وما يعبدون من آلهة مزعومة ، وما هم عليه من عقائد منحرفة . يتوجه الخطاب إليهم ، من الملائكة كما يبدو من التعبير :
« فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ، ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ ، إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ . وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ . وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ . وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ »
.
أي إنكم وما تعبدون لا تفتنون على اللّه ولا تضلون من عباده إلا من هو محسوب من أهل الجحيم ، الذين قدر عليهم أن يصلوها . وما أنتم بقادرين على فتنة قلب مؤمن الفطرة محسوب من الطائعين . فللجحيم وقود من نوع معروف ، طبيعته تؤهله أن يستجيب للفتنة ؛ ويستمع للفاتنين .
ويرد الملائكة على الأسطورة ، بأن لكل منهم مقامه الذي لا يتعداه . فهم عباد من خلق اللّه . لهم وظائف في طاعة اللّه فهم يصفون للصلاة ، ويسبحون بحمد اللّه . ويقف كل منهم على درجة لا يتجاوز حده .
واللّه هو اللّه .
ثم يعود للحديث عن المشركين الذين يطلقون هذه الأساطير ؛ فيعرض عهودهم ووعودهم ، يوم كانوا يحسدون أهل الكتاب على أنهم أهل كتاب ؛ ويقولون لو كان عندنا ذكر من الأولين - من إبراهيم أو من جاء بعده - لكنا على درجة من الإيمان يستخلصنا اللّه من أجلها ويصطفينا :
« وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ : لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ . لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ »
. .
حتى إذا جاءهم ذكر هو أعظم ما جاء إلى هذه الأرض تنكروا لما كانوا يقولون :
« فَكَفَرُوا بِهِ . فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ »
. .
فالتهديد الخفي في قوله :
« فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ »
هو اللائق بالكفر بعد التمني والوعود ! وبمناسبة التهديد يقرر وعد اللّه لرسله بالنصر والغلبة :
« وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ »
. .
والوعد واقع وكلمة اللّه قائمة . ولقد استقرت جذور العقيدة في الأرض ؛ وقام بناء الإيمان ، على الرغم من جميع العوائق ، وعلى الرغم من تكذيب المكذبين ، وعلى الرغم من التنكيل بالدعاة والمتبعين . ولقد ذهبت عقائد المشركين والكفار . وذهبت سطوتهم ودولتهم ؛ وبقيت العقائد التي جاء بها الرسل . تسيطر على قلوب الناس وعقولهم ، وتكيف تصوراتهم وأفهامهم . وما تزال على الرغم من كل شيء هي أظهر وأبقى ما يسيطر