تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2998

مساهمون:

ص٢٩٩٨
ولقد دعا إلياس قومه إلى التوحيد ، مستنكرا عبادتهم لبعل ، وتركهم « أحسن الخالقين » ربهم ورب آبائهم الأولين . كما استنكر إبراهيم عبادة أبيه وقومه للأصنام . وكما استنكر كل رسول عبادة قومه الوثنيين . وكانت العاقبة هي التكذيب . واللّه سبحانه يقسم ويؤكد أنهم سيحضرون مكرهين ليلقوا جزاء المكذبين . إلا من آمن منهم واستخلصه اللّه من عباده فيهم . وتختم اللمحة القصيرة عن إلياس تلك الخاتمة المكررة المقصودة في السورة ، لتكريم رسل اللّه بالسلام عليهم من قبله . ولبيان جزاء المحسنين . وقيمة إيمان المؤمنين . وسيرة إلياس ترد هنا لأول مرة في مثل تلك اللمحة القصيرة . ونقف لنلم بالناحية الفنية في الآية :
« سَلامٌ عَلى إِل‌ْياسِينَ »
فقد روعيت الفاصلة وإيقاعها الموسيقي في إرجاع اسم إلياس بصيغة
« إِل‌ْياسِينَ »
على طريقة القرآن في ملاحظة تناسق الإيقاع في التعبير « 1 » . ثم تأتي لمحة عن قصة لوط . التي ترد في المواضع الأخرى تالية لقصة إبراهيم :
« وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ . ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ . وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ . وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ »
. . وهي أشبه باللمحة التي جاءت عن قصة نوح . فهي تشير إلى رسالة لوط ونجاته مع أهله إلا امرأته . وتدمير المكذبين الضالين . وتنتهي بلمسة لقلوب العرب الذين يمرون على دار قوم لوط في الصباح والمساء ولا تستيقظ قلوبهم ولا تستمع لحديث الديار الخاوية . ولا تخاف عاقبة كعاقبتها الحزينة ! وتختم هذه اللمحات بلمحة عن يونس صاحب الحوت :
« وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ . فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ . فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ . فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ . لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ . وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ . وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ . فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ »
. . ولا يذكر القرآن أين كان قوم يونس . ولكن المفهوم أنهم كانوا في بقعة قريبة من البحر . وتذكر الروايات أن يونس ضاق صدرا بتكذيب قومه . فأنذرهم بعذاب قريب . وغادرهم مغضبا آبقا . فقاده الغضب إلى شاطئ البحر حيث ركب سفينة مشحونة . وفي وسط اللجة ناوأتها الرياح والأمواج . وكان هذا إيذانا عند القوم بأن من بين الركاب راكبا مغضوبا عليه لأنه ارتكب خطيئة . وأنه لا بد أن يلقى في الماء لتنجو السفينة من الغرق . فاقترعوا على من يلقونه من السفينة . فخرج سهم يونس - وكان معروفا عندهم بالصلاح . ولكن سهمه خرج بشكل أكيد فألقوه في البحر . أو ألقى هو نفسه . فالتقمه الحوت وهو
« مُلِيمٌ »
أي مستحق للوم ، لأنه تخلى عن المهمة التي أرسله اللّه بها ، وترك قومه مغاضبا قبل أن يأذن اللّه له . وعندما أحس بالضيق في بطن الحوت سبح اللّه واستغفره وذكر أنه كان من الظالمين . وقال :
« لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ »
. فسمع اللّه دعاءه واستجاب له . فلفظه الحوت .
« فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ »
. وقد خرج من بطن الحوت سقيما عاريا على الشاطئ .
« وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ »
. وهو القرع . يظلله
هامش
( 1 ) يراجع فصل التناسق الفني في كتاب : « التصوير الفني في القرآن » فقرة الإيقاع الموسيقي « دار الشروق » .