يسأل ربه . . لما ذا يا ربي أذبح ابني الوحيد ؟ ! ولكنه لا يلبي في انزعاج ، ولا يستسلم في جزع ، ولا يطيع في اضطراب . . كلا إنما هو القبول والرضى والطمأنينة والهدوء . يبدو ذلك في كلماته لابنه وهو يعرض عليه الأمر الهائل في هدوء وفي اطمئنان عجيب :
« قال : يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك . فانظر ما ذا ترى » . .
فهي كلمات المالك لأعصابه ، المطمئن للأمر الذي يواجهه ، الواثق بأنه يؤدي واجبه . وهي في الوقت ذاته كلمات المؤمن ، الذي لا يهوله الأمر فيؤديه ، في اندفاع وعجلة ليخلص منه وينتهي ، ويستريح من ثقله على أعصابه ! والأمر شاق - ما في ذلك شك - فهو لا يطلب إليه أن يرسل بابنه الوحيد إلى معركة . ولا يطلب إليه أن يكلفه أمرا تنتهي به حياته . . إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده . يتولى ما ذا ؟ يتولى ذبحه . . وهو - مع هذا - يتلقى الأمر هذا التلقي ، ويعرض على ابنه هذا العرض ؛ ويطلب إليه أن يتروى في أمره ، وأن يرى فيه رأيه ! إنه لا يأخذ ابنه على غرة لينفذ إشارة ربه . وينتهي . إنما يعرض الأمر عليه كالذي يعرض المألوف من الأمر .
فالأمر في حسه هكذا . ربه يريد . فليكن ما يريد . على العين والرأس . وابنه ينبغي أن يعرف . وأن يأخذ الأمر طاعة وإسلاما ، لا قهرا واضطرارا . لينال هو الآخر أجر الطاعة ، وليسلم هو الآخر ويتذوق حلاوة التسليم ! إنه يحب لابنه أن يتذوق لذة التطوع التي ذاقها ؛ وأن ينال الخير الذي يراه هو أبقى من الحياة وأقنى . .
فما ذا يكون من أمر الغلام ، الذي يعرض عليه الذبح ، تصديقا لرؤيا رآها أبوه ؟
إنه يرتقي إلى الأفق الذي ارتقى إليه من قبل أبوه :
« قال : يا أبت افعل ما تؤمر . ستجدني - إن شاء اللّه - من الصابرين » . .
إنه يتلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب . ولكن في رضى كذلك وفي يقين . .
« يا أبت » . . في مودة وقربى . فشبح الذبح لا يزعجه ولا يفزعه ولا يفقده رشده . بل لا يفقده أدبه ومودته .
« افعل ما تؤمر » . . فهو يحس ما أحسه من قبل قلب أبيه . يحس أن الرؤيا إشارة . وأن الإشارة أمر .
وأنها تكفي لكي يلبي وينفذ بغير لجلجة ولا تمحل ولا ارتياب .
ثم هو الأدب مع اللّه ، ومعرفة حدود قدرته وطاقته في الاحتمال ؛ والاستعانة بربه على ضعفه ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية ، ومساعدته على الطاعة :
« ستجدني إن شاء اللّه من الصابرين » . .
ولم يأخذها بطولة . ولم يأخذها شجاعة . ولم يأخذها اندفاعا إلى الخطر دون مبالاة . ولم يظهر لشخصه ظلا ولا حجما ولا وزنا . . إنما أرجع الفضل كله للّه إن هو أعانه على ما يطلب إليه ، وأصبره على ما يراد به :
« ستجدني - إن شاء اللّه - من الصابرين » . .
يا للأدب مع اللّه ! ويا لروعة الإيمان . ويا لنبل الطاعة . ويا لعظمة التسليم ! ويخطو المشهد خطوة أخرى وراء الحوار والكلام . . يخطو إلى التنفيذ :
« فلما أسلما وتله للجبين » . .
ومرة أخرى يرتفع نبل الطاعة . وعظمة الإيمان . وطمأنينة الرضى وراء كل ما تعارف عليه بنو الإنسان . .
إن الرجل يمضي فيكب ابنه على جبينه استعدادا . وإن الغلام يستسلم فلا يتحرك امتناعا . وقد وصل الأمر
في ظلال القرآن — صفحة 2995
مساهمون: سيد قطب
ص٢٩٩٥