تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2992

مساهمون:

ص٢٩٩٢
ليقتلوه ، وحماية اللّه له وخذلان شانئيه - وهي حلقة تكررت من قبل في سور القرآن - وحلقة جديدة لا تعرض في غير هذه السورة . وهي الخاصة بحادث الرؤيا والذبح والفداء ، مفصلة المراحل والخطوات والمواقف ، في أسلوبها الأخاذ وأدائها الرهيب ! ممثلة أعلى صور الطاعة والتضحية والفداء والتسليم في عالم العقيدة في تاريخ البشرية الطويل . « وإن من شيعته لإبراهيم . إذ جاء ربه بقلب سليم . إذ قال لأبيه وقومه : ما ذا تعبدون ؟ أإفكا آلهة دون اللّه تريدون ؟ فما ظنكم برب العالمين ؟ » . . هذا هو افتتاح القصة ، والمشهد الأول فيها . . نقلة من نوح إلى إبراهيم . وبينهما صلة من العقيدة والدعوة والطريق . فهو من شيعة نوح على تباعد الزمان بين الرسولين والرسالتين ؛ ولكنه المنهج الإلهي الواحد ، الذي يلتقيان عنده ويرتبطان به ويشتركان فيه . ويبرز من صفة إبراهيم سلامة القلب وصحة العقيدة وخلوص الضمير : « إذ جاء ربه بقلب سليم » . . وهي صورة الاستسلام الخالص . تتمثل في مجيئه لربه . وصورة النقاء والطهارة والبراءة والاستقامة تتمثل في سلامة قلبه . والتعبير بالسلامة تعبير موح مصور لمدلوله ، وهو في الوقت ذاته بسيط قريب المعنى واضح المفهوم . ومع أنه يتضمن صفات كثيرة من البراءة والنقاوة ، والإخلاص والاستقامة . . إلا أنه يبدو بسيطا غير معقد ، ويؤدي معناه بأوسع مما تؤديه هذه الصفات كلها مجتمعات ! وتلك إحدى بدائع التعبير القرآني الفريد . وبهذا القلب السليم ، استنكر ما عليه قومه واستبشعه . استنكار الحس السليم لكل ما تنبو عنه الفطرة الصادقة من تصور ومن سلوك : « إذ قال لأبيه وقومه : ما ذا تعبدون ؟ أإفكا آلهة دون اللّه تريدون ؟ فما ظنكم برب العالمين ؟ . . وهو يراهم يعبدون أصناما وأوثانا . فيهتف بهم هتاف الفطرة السليمة في استنكار شديد . « ما ذا تعبدون ؟ » ما ذا ؟ فإن ما تعبدون ليس من شأنه أن يعبد ، ولا أن يكون له عابدون ! وما يعبده الإنسان في شبهة من حق . إنما هو الإفك المحض . والافتراء الذي لا شبهة فيه . فهل أنتم تقصدون إلى الإفك قصدا وإلى الافتراء عمدا : « أإفكا آلهة دون اللّه تريدون ؟ » وما هو تصوركم للّه ؟ وهل يهبط وينحرف إلى هذا المستوي الذي تنكره الفطرة لأول وهلة : « فما ظنكم برب العالمين ؟ » . . وهي كلمة يبدو فيها استنكار الفطرة السليمة البريئة ، وهي تطلع على الأمر البين الذي يصدم الحس والعقل والضمير . ويسقط السياق هنا ردهم عليه ، وحوارهم معه ؛ ويمضي مباشرة في المشهد التالي إلى عزيمته التي قررها في نفسه تجاه هذا الإفك المكشوف : « فنظر نظرة في النجوم . فقال : إني سقيم . فتولوا عنه مدبرين . فراغ إلى آلهتهم فقال : ألا تأكلون ؟ مالكم لا تنطقون ؟ فراغ عليهم ضربا باليمين » . . ويروى أنه كان للقوم عيد - ربما كان هو عيد النيروز - يخرجون فيه إلى الحدائق والخلوات ، بعد أن يضعوا الثمار بين يدي آلهتهم لتباركها . ثم يعودون بعد الفسحة والمرح فيأخذون طعامهم المبارك ! وأن إبراهيم - عليه السّلام - بعد أن يئس من استجابتهم له ؛ وأيقن بانحراف فطرتهم الانحراف الذي لا صلاح له ، اعتزم أمرا . وانتظر هذا اليوم الذي يبعدون فيه عن المعابد والأصنام لينفذ ما اعتزم . وكان الضيق بما هم فيه من انحراف قد بلغ منه أقصاه وأتعب قلبه وقواه ، فلما دعي إلى مغادرة المعبد ، قلب نظره إلى السماء ، وقال : « إني