تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2993

مساهمون:

ص٢٩٩٣
سقيم » . . لا طاقة لي بالخروج إلى المتنزهات والخلوات . فإنما يخرج إليها طلاب اللذة والمتاع ، أخلياء القلوب من الهم والضيق - وقلب إبراهيم لم يكن في راحة ونفسه لم تكن في استرواح . قال ذلك معبرا عن ضيقه وتعبه . وأفصح عنه ليتركوه وشأنه . ولم يكن هذا كذبا منه . إنما كان له أصل في واقع حياته في ذلك اليوم . وإن الضيق ليمرض ويسقم ذويه ! وكان القوم معجلين ليذهبوا مع عاداتهم وتقاليدهم ومراسم حياتهم في ذلك العيد ؛ فلم يتلبثوا ليفحصوا عن أمره ، بل تولوا عنه مدبرين ، مشغولين بما هم فيه . وكانت هذه هي الفرصة التي يريد . لقد أسرع إلى آلهتهم المدعاة . وأمامها أطايب الطعام وبواكير الثمار . فقال في تهكم : « ألا تأكلون ؟ » . . ولم تجبه الأصنام بطبيعة الحال . فاستطرد في تهكمه وعليه طابع الغيظ والسخرية : « ما لكم لا تنطقون ؟ » . . وهي حالة نفسية معهودة . أن يوجه الإنسان كلامه إلى ما يعلم حقيقته ، ويستيقن أنه لا يسمع ولا ينطق ! إنما هو الضيق بما وراء الآلهة المزعومة من القوم وتصورهم السخيف ! . . ولم تجبه الآلهة مرة أخرى ! ! وهنا أفرغ شحنة الغيظ المكتوم حركة لا قولا : « فراغ عليهم ضربا باليمين » . . وشفى نفسه من السقم والهم والضيق . . . ! وينتهي هذا المشهد فيليه مشهد جديد . وقد عاد القوم فاطلعوا على جذاذ الآلهة ! ويختصر السياق ما يفصله في سورة أخرى من سؤالهم عمن صنع بآلهتهم هذا الصنع ، واستدلالهم في النهاية على الفاعل الجريء . يختصر هذا ليقفهم وجها لوجه أمام إبراهيم ! « فأقبلوا إليه يزفون » . . لقد تسامعوا بالخبر ، وعرفوا من الفاعل ، فأقبلوا إليه يسرعون الخطى ويحدثون حوله زفيفا . . وهم جمع كثير غاضب هائج ، وهو فرد واحد . ولكنه فرد مؤمن . فرد يعرف طريقه . فرد واضح التصور لإلهه . عقيدته معروفة له محدودة . يدركها في نفسه ، ويراها في الكون من حوله . فهو أقوى من هذه الكثرة الهائجة المائجة ، المدخولة العقيدة ، المضطربة التصور . ومن ثم يجبههم بالحق الفطري البسيط لا يبالي كثرتهم وهياجهم وزفيفهم ! « قال : أتعبدون ما تنحتون ؟ واللّه خلقكم وما تعملون ؟ » . . إنه منطق الفطرة يصرخ في وجههم : « أتعبدون ما تنحتون ؟ » . . والمعبود الحق ينبغي أن يكون هو الصانع لا المصنوع : « واللّه خلقكم وما تعملون » . . فهو الصانع الوحيد الذي يستحق أن يكون المعبود . ومع وضوح هذا المنطق وبساطته ، إلا أن القوم في غفلتهم وفي اندفاعهم لم يستمعوا له - ومتى استمع الباطل إلى صوت الحق البسيط ؟ - واندفع أصحاب الأمر والنهي فيهم يزاولون طغيانهم في صورته الغليظة : « قالوا : ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم » . . إنه منطق الحديد والنار الذي لا يعرف الطغاة منطقا سواه ؛ عندما تعوزهم الحجة وينقصهم الدليل . وحينما تحرجهم كلمة الحق الخالصة ذات السلطان المبين . ويختصر السياق هنا ما حدث بعد قولتهم تلك ، ليعرض العاقبة التي تحقق وعد اللّه لعباده المخلصين ووعيده لأعدائهم المكذبين : « فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين » . . وأين يذهب كيد العباد إذا كان اللّه يريد ؟ وما ذا يملك أولئك الضعاف المهازيل - من الطغاة والمتجبرين وأصحاب السلطان وأعوانهم من الكبراء - إذا كانت رعاية اللّه تحوط عباده المخلصين ؟ . .
في ظلال القرآن — صفحة 2993 | سيد قطب