قلق على المصير ، ومعاناة للأمور تعد حزنا بالقياس إلى هذا النعيم المقيم . والقلق يوم الحشر على المصير مصدر حزن كبير .
« إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ »
. . غفر لنا وشكر لنا أعمالنا بما جازانا عليها .
« الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ »
. .
للإقامة والاستقرار
« مِنْ فَضْلِهِ »
فما لنا عليه من حق ، إنما هو الفضل يعطيه من يشاء .
« لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ »
. . بل يجتمع لنا فيها النعيم والراحة والاطمئنان .
فالجو كله يسر وراحة ونعيم . والألفاظ مختارة لتتسق بجرسها وإيقاعها مع هذا الجو الحاني الرحيم . حتى
« الْحَزَنَ »
لا يتكأ عليه بالسكون الجازم . بل يقال
« الْحَزَنَ »
بالتسهيل والتخفيف . والجنة
« دارَ الْمُقامَةِ »
. والنصب واللغوب لا يمسانهم مجرد مساس . والإيقاع الموسيقي للتعبير كله هادئ ناعم رتيب .
ثم نتلفت إلى الجانب الآخر . فنرى القلق والاضطراب وعدم الاستقرار على حال :
« وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ ، لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ، وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها »
. .
فلا هذه ولا تلك . حتى الرحمة بالموت لا تنال !
« كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ »
. .
ثم ها نحن أولاء يطرق أسماعنا صوت غليظ محشرج مختلط الأصداء ، متناوح من شتى الأرجاء . إنه صوت المنبوذين في جهنم :
« وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها »
. .
وجرس اللفظ نفسه يلقي في الحس هذه المعاني جميعا . . فلنتبين من ذلك الصوت الغليظ ما ذا يقول . إنه يقول :
« رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ »
. .
إنه الإنابة والاعتراف والندم إذن . ولكن بعد فوات الأوان . فها نحن أولاء نسمع الرد الحاسم يحمل التأنيب القاسي :
« أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ؟ »
. .
فلم تنتفعوا بهذه الفسحة من العمر ، وهي كافية للتذكر لمن أراد أن يتذكر .
« وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ »
. .
زيادة في التنبيه والتحذير . فلم تتذكروا ولم تحذروا .
« فَذُوقُوا . فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ »
. .
إنهما صورتان متقابلتان : صورة الأمن والراحة ، تقابلها صورة القلق والاضطراب . ونغمة الشكر والدعاء تقابلها ضجة الاصطراخ والنداء . ومظهر العناية والتكريم ، يقابله مظهر الإهمال والتأنيب . والجرس اللين والإيقاع الرتيب ، يقابلهما الجرس الغليظ والإيقاع العنيف . فيتم التقابل ، ويتم التناسق في الجزئيات وفي الكليات سواء « 1 » .
وأخيرا يجيء التعقيب على هذه المشاهد جميعا ، وعلى ما سبقها من اصطفاء وتوريث :
« إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ »
.
هامش
( 1 ) عن كتاب مشاهد القيامة في القرآن ص 100 - 101 . « دار الشروق » .