يوحي للبشر بشكر المنعم . تشبها واستحياء . فإذا كان هو يشكر لعباده حسن الأداء أفلا يشكرون له هم حسن العطاء ؟ ! ثم إشارة إلى طبيعة الكتاب ، وما فيه من الحق ، تمهيدا للحديث عن ورثة هذا الكتاب :
« وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ . إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ »
. .
ودلائل الحق في هذا الكتاب واضحة في صلبه ؛ فهو الترجمة الصحيحة لهذا الكون في حقيقته ، أو هو الصفحة المقروءة والكون هو الصفحة الصامتة . وهو مصدق لما قبله من الكتب الصادرة من مصدره . والحق واحد لا يتعدد فيها وفيه . ومنزله نزله للناس وهو على علم بهم ، وخبرة بما يصلح لهم ويصلحهم :
« إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ »
. .
هذا هو الكتاب في ذاته . وقد أورثه اللّه لهذه الأمة المسلمة ، اصطفاها لهذه الوراثة ، كما يقول هنا في كتابه :
« ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا »
. .
وهي كلمات جديرة بأن توحي لهذه الأمة بكرامتها على اللّه ؛ كما توحي إليها بضخامة التبعة الناشئة عن هذا الاصطفاء وعن تلك الوراثة . وهي تبعة ضخمة ذات تكاليف ، فهل تسمع الأمة المصطفاة وتستجيب ؟
إن اللّه سبحانه قد أكرم هذه الأمة بالاصطفاء للوراثة ؛ ثم أكرمها بفضله في الجزاء حتى لمن أساء :
« فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ . وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ . وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ »
. .
فالفريق الأول - ولعله ذكر أولا لأنه الأكثر عددا -
« ظالِمٌ لِنَفْسِهِ »
تربى سيئاته في العمل على حسناته .
والفريق الثاني وسط
« مُقْتَصِدٌ »
تتعادل سيئاته وحسناته . والفريق الثالث
« سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ »
، تربى حسناته على سيئاته . . ولكن فضل اللّه شمل الثلاثة جميعا . فكلهم انتهى إلى الجنة وإلى النعيم الموصوف في الآيات التالية . على تفاوت في الدرجات .
ولا ندخل هنا في تفصيل أكثر مما أراد القرآن عرضه في هذا الموضع من كرامة هذه الأمة باصطفائها ، وكرم اللّه سبحانه في جزائها . فهذا هو الظل الذي تلقيه النصوص هنا ، وهي النهاية التي تنتهي إليها هذه الأمة جميعا - بفضل اللّه - ونطوي ما قد يسبق هذه النهاية من جزاء مقدر في علم اللّه .
نطوي هذا الجزاء المبدئي لنخلص إلى ما قدره اللّه لهذه الأمة بصنوفها الثلاثة من حسن الجزاء :
« ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ . جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ . وَقالُوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ . إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ . الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ » . .
إن المشهد « 1 » يتكشف عن نعيم مادي ملموس ، ونعيم نفسي محسوس . فهم
« يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ »
. . وذلك بعض المتاع ذي المظهر المادي ، الذي يلبي بعض رغائب النفوس . وبجانبه ذلك الرضا وذلك الأمن وذلك الاطمئنان :
« وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ »
. . والدنيا بما فيها من
هامش
( 1 ) عن كتاب : مشاهد القيامة في القرآن ص 100 ، 101 . « دار الشروق » .