الدعوى لو جرؤ عليها مدع . وكل شيء يهتف بأن الذي أبدعه هو اللّه ؛ وهو يحمل آثار الصنعة التي لا يدعيها مدع ، لأنه لا تشبهها صنعة ، مما يعمل العاجزون أبناء الفناء !
« أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ؟ »
. .
ولا هذه من باب أولى ! فما يجرؤ أحد على أن يزعم لهذه الآلهة المدعاة مشاركة في خلق السماوات ، ولا مشاركة في ملكية السماوات . كائنة ما كانت . حتى الذين كانوا يشركون الجن أو الملائكة . . فقصارى ما كانوا يزعمون أن يستعينوا بالشياطين على إبلاغهم خبر السماء . أو يستشفعوا بالملائكة عند اللّه . ولم يرتق ادعاؤهم يوما إلى الزعم بأن لهم شركا في السماء !
« أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ ؟ »
. .
وحتى هذه الدرجة - درجة أن يكون اللّه قد آتى هؤلاء الشركاء كتابا فهم مستيقنون منه ، واثقون بما فيه - لم يبلغها أولئك الشركاء المزعومون . . والنص يحتمل أن يكون هذا السؤال الإنكاري موجها إلى المشركين أنفسهم - لا إلى الشركاء - فإن إصرارهم على شركهم قد يوحي بأنهم يستمدون عقيدتهم هذه من كتاب أوتوه من اللّه فهم على بينة منه وبرهان . وليس هذا صحيحا ولا يمكن أن يدعوه . وعلى هذا المعنى يكون هناك إيحاء بأن أمر العقيدة إنما يتلقى من كتاب من اللّه بيّن . وأن هذا هو المصدر الوحيد الوثيق . وليس لهم من هذا شيء يدعونه ؛ بينما الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - قد جاءهم بكتاب من عند اللّه بيّن . فما لهم يعرضون عنه ، وهو السبيل الوحيد لاستمداد العقيدة ؟ !
« بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً »
. .
والظالمون يعد بعضهم بعضا أن طريقتهم هي المثلى ؛ وأنهم هم المنتصرون في النهاية . وإن هم إلا مخدوعون مغرورون ، يغر بعضهم بعضا ، ويعيشون في هذا الغرور الذي لا يجدي شيئا . .
والجولة الثالثة - بعد نفي أن يكون للشركاء ذكر ولا خبر في السماوات ولا في الأرض - تكشف عن يد اللّه القوية الجبارة تمسك بالسماوات والأرض وتحفظهما وتدبر أمرهما بلا شريك :
« إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ . إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً »
. .
ونظرة إلى السماوات والأرض ؛ وإلى هذه الأجرام التي لا تحصى منتثرة في ذلك الفضاء الذي لا تعلم له حدود . وكلها قائمة في مواضعها ، تدور في أفلاكها محافظة على مداراتها ، لا تختل ، ولا تخرج عنها ، ولا تبطئ أو تسرع في دورتها ، وكلها لا تقوم على عمد ، ولا تشد بأمراس « 1 » ، ولا تستند على شيء من هنا أو من هناك . . نظرة إلى تلك الخلائق الهائلة العجيبة جديرة بأن تفتح البصيرة على اليد الخفية القاهرة القادرة التي تمسك بهذه الخلائق وتحفظها أن تزول .
ولئن زالت السماوات والأرض عن مواضعها ، واختلت وتناثرت بددا ، فما أحد بقادر على أن يمسكها بعد ذلك أبدا . وذلك هو الموعد الذي ضربه القرآن كثيرا لنهاية هذا العالم . حين يختل نظام الأفلاك وتضطرب وتتحطم وتتناثر ؛ ويذهب كل شيء في هذا الفضاء لا يمسك أحد زمامه .
هامش
( 1 ) الأمراس : الحبال المتينة .