تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2940

مساهمون:

ص٢٩٤٠
وعجز عن الانفعال والاستجابة الآخذين من النبع الحقيقي ، المؤثرين في سير الحياة ! ولكل طبيعته ولكل جزاؤه ، ولن يستوي عند اللّه هذا وذاك . وهنا يلتفت إلى النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - يعزيه ويسري عنه ، بتقرير حدود عمله وواجبه في دعوة اللّه . وترك ما تبقى بعد ذلك لصاحب الأمر يفعل به ما يشاء :
« إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ . وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ . إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ . إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً ، وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ . وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ . ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا . فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ؟ »
. . إن الفوارق أصيلة في طبيعة الكون وفي طبيعة النفس . واختلاف طباع الناس واختلاف استقبالهم لدعوة اللّه أصيل أصالة الفوارق الكونية في البصر والعمى ، والظل والحرور ، والظلمات والنور ، والحياة والموت . ووراء ذلك كله تقدير اللّه وحكمته . وقدرته على ما يشاء . وإذن فالرسول ليس إلا نذيرا . وقدرته البشرية تقف عند هذا الحد . فما هو بمسمع من في القبور . ولا من يعيشون بقلوب ميتة فهم كأهل القبور ! واللّه وحده هو القادر على إسماع من يشاء ، وفق ما يشاء ، حسبما يشاء . فما ذا على الرسول أن يضل من يضل ، ويعرض من يعرض متى أدى الأمانة ، وبلغ الرسالة ، فسمع من شاء اللّه أن يسمع ، وأعرض من شاء اللّه أن يعرض ؟ ومن قبل قال اللّه لرسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - :
« فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ »
. لقد أرسله اللّه بالحق بشيرا ونذيرا . شأنه شأن إخوانه من الرسل - صلوات اللّه عليهم - وهم كثير . فما من أمة إلا سبق فيها رسول :
« وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ »
. فإن لقي من قومه التكذيب ، فتلك هي طبيعة الأقوام في استقبال الرسل ؛ لا عن تقصير من الرسل ، ولا عن نقص في الدليل :
« وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ »
. . والبينات الحجج في صورها الكثيرة ، ومنها الخوارق المعجزة التي كانوا يطلبون أو يتحداهم بها الرسول . والزبر الصحف المتفرقة بالمواعظ والنصائح والتوجيهات والتكاليف . والكتاب المنير . الأرجح أنه كتاب موسى . التوراة . وكلهم كذبوا بالبينات والزبر والكتاب المنير . هذا كان شأن أمم كثيرة في استقبال رسلهم وما معهم من دلائل الهدى . فالأمر إذن ليس جديدا ، وليس فريدا ، إنما هو ماض مع سنة الأولين . وهنا يعرض على المشركين مصائر المكذبين . لعلهم يحذرون :
« ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا »
. . ويسأل سؤال تعجيب وتهويل :
« فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ؟ »
. .