تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2938

مساهمون:

ص٢٩٣٨
ويقول لذاك : هاك حلا لمشكلتك ، وهاك خلاصا من ضيقتك ! كل ذلك ، وهذا الإنسان هو الساكن الصغير من سكان هذه الأرض ، التابعة الصغيرة من توابع الشمس ، التائهة في هذا الوجود الكبير حتى ما تكاد تحس ! واللّه - سبحانه - هو فاطر السماوات والأرض ، وخالق هذا الوجود بما فيه ومن فيه بكلمة . بمجرد توجه الإرادة . وهو قادر على أن يخلق مثله بكلمة وبمجرد توجه الإرادة . . والناس خلقاء أن يدركوا هذه الحقيقة ليدركوا مدى فضل اللّه ورعايته ورحمته . وليستحيوا أن يستجيبوا للفضل الخالص والرعاية المجردة والرحمة الفائضة بالإعراض والجحود والنكران . فهي من هذه الناحية لمسة وجدانية موحية ، إلى جانب أنها حقيقة صادقة واقعة . والقرآن يلمس بالحقائق قلوب البشر ؛ لأن الحقيقة حين تجلى أفعل في النفس ؛ ولأنه هو الحق وبالحق نزل . فلا يتحدث إلا بالحق ، ولا يقنع إلا بالحق ، ولا يعرض إلا الحق ، ولا يشير بغير الحق . . ولمسة أخرى بحقيقة أخرى . حقيقة فردية التبعة ، والجزاء الفردي الذي لا يغني فيه أحد عن أحد شيئا . فما بالنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - من حاجة إلى هدايتهم يحققها لنفسه ، فهو محاسب على عمله وحده ، كما أن كلا منهم محاسب على ما كسبت يداه ، يحمل حمله وحده ، لا يعينه أحد عليه . ومن يتطهر فإنما يتطهر لنفسه ، وهو الكاسب وحده لا سواه ؛ والأمر كله صائر إلى اللّه :
« وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى . وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى »
. .
« وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ . وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ »
. . وحقيقة فردية التبعة والجزاء ذات أثر حاسم في الشعور الأخلاقي ، وفي السلوك العملي سواء . فشعور كل فرد بأنه مجزيّ بعمله ، لا يؤاخذ بكسب غيره ، ولا يتخلص هو من كسبه ، عامل قوي في يقظته لمحاسبة نفسه قبل أن تحاسب ! مع التخلي عن كل أمل خادع في أن ينفعه أحد بشيء ، أو أن يحمل عنه أحد شيئا . كما أنه - في الوقت ذاته - عامل مطمئن ، فلا يقلق الفرد خيفة أن يؤخذ بجريرة الجماعة ؛ فيطيش وييئس من جدوى عمله الفردي الطيب . ما دام قد أدى واجبه في النصح للجماعة ومحاولة ردها عن الضلال بما يملك من وسيلة . إن اللّه - سبحانه - لا يحاسب الناس جملة بالقائمة ! إنما يحاسبهم فردا فردا ؛ كل على عمله . وفي حدود واجبه . ومن واجب الفرد أن ينصح وأن يحاول الإصلاح غاية جهده . فإذا قام بقسطه هذا فلا عليه من السوء في الجماعة التي يعيش فيها ، فإنما هو محاسب على إحسانه . كذلك لن ينفعه صلاح الجماعة إذا كان هو بذاته غير صالح . فاللّه لا يحاسب عباده بالقائمة كما أسلفنا ! والتعبير القرآني يصور هذه الحقيقة على طريقة التصوير في القرآن ، فتكون أعمق وأشد أثرا . يصور كل نفس حاملة حملها . فلا تحمل نفس حمل أخرى . وحين تثقل نفس بما تحمل ثم تدعو أقرب الأقرباء ليحمل عنها شيئا ، فلن تجد من يلبي دعاءها ويرفع عنها شيئا مما يثقلها ! إنه مشهد القافلة كل من فيها يحمل أثقاله ويمضي في طريقه ، حتى يقف أمام الميزان والوزّان ! وهي في وقفتها يبدو على من فيها الجهد والإعياء ، واهتمام كل بحمله وثقله ، وانشغاله عن البعداء والأقرباء ! وعلى مشهد القافلة المجهدة المثقلة ، يلتفت إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم :
في ظلال القرآن — صفحة 2938 | سيد قطب