تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2937

مساهمون:

ص٢٩٣٧
عميق كأصالة الاختلاف بين العمى والبصر والظلمات والنور والظل والحرور والموت والحياة . وأن بين الهدى والبصر والنور والظل والحياة صلة وشبها ؛ كما أن بين العمى والظلمة والحرور والموت صلة وشبها ! ثم تنتهي الجولة بإشارة إلى مصارع المكذبين للتنبيه والتحذير .
« يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ، وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ »
. . إن الناس في حاجة إلى تذكيرهم بهذه الحقيقة في معرض دعوتهم إلى الهدى ، ومجاهدتهم ليخرجوا مما هم فيه من الظلمات إلى نور اللّه وهداه . في حاجة إلى تذكيرهم بأنهم هم الفقراء المحاويج إلى اللّه . وأن اللّه غني عنهم كل الغنى . وأنهم حين يدعون إلى الإيمان باللّه وعبادته وحمده على آلائه فإن اللّه غني عن عبادتهم وحمدهم ، وهو المحمود بذاته . وأنهم لا يعجزون اللّه ولا يعزون عليه فهو إن شاء أن يذهب بهم ويأتي بخلق جديد من جنسهم أو من جنس آخر يخلفهم في الأرض . فإن ذلك عليه يسير . . الناس في حاجة إلى أن يذكروا بهذه الحقيقة ، لئلا يركبهم الغرور وهم يرون أن اللّه - جل وعلا - يعنى بهم ، ويرسل إليهم الرسل ؛ ويجاهد الرسل أن يردوهم عن الضلالة إلى الهدى ، ويخرجوهم من الظلمات إلى النور . ويركبهم الغرور فيظنون أنهم شيء عظيم على اللّه ! وأن هداهم وعبادتهم تزيد شيئا في ملكه تعالى ! واللّه هو الغني الحميد . وإن اللّه سبحانه يمنح العباد من رعايته ، ويفيض عليهم من رحمته ، ويغمرهم بسابغ فضله - بإرسال رسله إليهم ، واحتمال هؤلاء الرسل ما يحتملون من إعراضهم وإيذائهم ، وثباتهم على الدعوة إلى اللّه بعد الإعراض والإيذاء . . إن اللّه سبحانه إنما يعامل عباده هكذا رحمة منه وفضلا وكرما ومنا . لأن هذه صفاته المتعلقة بذاته . لا لأن هؤلاء العباد يزيدون في ملكه شيئا بهداهم ، أو ينقصون من ملكه شيئا بعماهم . ولا لأن هؤلاء العباد مخلوقات نادرة عزيزة صعبة الإعادة أو الاستبدال ، فيغتفر لهم ما يقع منهم لأنهم صنف لا يعاد ولا يستبدل . وإن الإنسان ليدهش ويحار في فضل اللّه ومنه وكرمه ، حين يرى هذا الإنسان الصغير الضئيل الجاهل القاصر ، الضعيف العاجز ، ينال من عناية اللّه ورعايته كل هذا القدر الهائل ! والإنسان ساكن صغير من سكان هذه الأرض . والأرض تابع صغير من توابع الشمس . والشمس نجم مما لا عد له ولا حصر من النجوم . والنجوم إن هي إلا نقط صغيرة - على ضخامتها الهائلة - متناثرة في فضاء الكون الذي لا يعلم الناس حدوده . وهذا الفضاء الذي تتناثر فيه تلك النجوم كالنقط التائهة إن هو إلا بعض خلق اللّه ! ثم ينال الإنسان من اللّه كل هذه الرعاية . . ينشئه ، ويستخلفه في الأرض ، ويهبه كل أدوات الخلافة - سواء في تكوينه وتركيبه أو تسخير القوى والطاقات الكونية اللازمة له في خلافته - ويضل هذا المخلوق ويتبجح حتى ليشرك بربه أو ينكره . فيرسل اللّه إليه الرسل ، رسولا بعد رسول ، وينزل على الرسل الكتب والخوارق . ويطرد فضل اللّه ويفيض حتى لينزل في كتابه الأخير للبشر قصصا يحدث بها الناس ، ويقص عليهم ما وقع لأسلافهم ، ويحدثهم عن ذوات أنفسهم ، ويكشف لهم عما فيها من قوى وطاقات ، ومن عجز وضعف ، بل إنه - سبحانه - ليحدث عن فلان وفلان بالذات ، فيقول لهذا : أنت فعلت وأنت تركت ،