تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2934

مساهمون:

ص٢٩٣٤
اللّه - في خدمة الإنسان .
« وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ . . هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ ، وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ . . وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها . وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ . لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
. . إن إرادة التنويع في خلق الماء واضحة ؛ ووراءها حكمة - فيما نعلم - ظاهرة ؛ فأما الجانب العذب السائغ اليسير التناول فنحن نعرف جانبا من حكمة اللّه فيما نستخدمه وننتفع به ؛ وهو قوام الحياة لكل حي . وأما الجانب الملح المر وهو البحار والمحيطات فيقول أحد العلماء في بيان التقدير العجيب في تصميم هذا الكون الضخم : « وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور - ومعظمها سام - فإن الهواء باق دون تلويث في الواقع ، ودون تغير في نسبة المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان . وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من الماء - أي المحيط - الذي استمدت منه الحياة والغذاء والمطر والمناخ المعتدل ، والنباتات . وأخيرا الإنسان نفسه . . » « 1 » . وهذا بعض ما تكشف لنا من حكمة الخلق والتنويع ، واضح فيه القصد والتدبير ، ومنظور فيه إلى تناسقات وموازنات يقوم بعضها على بعض في حياة هذا الكون ونظامه . ولا يصنع هذا إلا اللّه خالق هذا الكون وما فيه ومن فيه . فإن هذا التنسيق الدقيق لا يجيء مصادفة واتفاقا بحال من الأحوال . والإشارة إلى اختلاف البحرين توحي بمعنى القصد في هذه التفرقة وفي كل تفرقة أخرى . وستأتي في السورة إشارات إلى نماذج منها في عالم المشاعر والاتجاهات والقيم والموازين . ثم يلتقي البحران المختلفان في تسخيرهما للإنسان :
« وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ »
. . واللحم الطري هو الأسماك والحيوانات البحرية على اختلافها . والحلية من اللؤلؤ والمرجان . واللؤلؤ يوجد في أنواع من القواقع يتكون في أجسامها نتيجة دخول جسم غريب كحبة رمل أو نقطة ماء ، فيفرز جسم القوقعة داخل الصدفة إفرازا خاصا يحيط به هذا الجسم الغريب ، كيلا يؤذي جسم القوقعة الرخو . وبعد زمن معين يتصلب هذا الإفراز ، ويتحول إلى لؤلؤة ! والمرجان نبات حيواني يعيش ويكون شعابا مرجانية تمتد في البحر أحيانا عدة أميال ، وتتكاثر حتى تصبح خطرا على الملاحة في بعض الأحيان ؛ وخطرا على كل حي يقع في براثنها ! وهو يقطع بطرق خاصة وتتخذ منه الحلي ! والفلك تمخر البحار والأنهار - أي تشقها - بما أودع اللّه الأشياء في هذا الكون من خصائص . ولكثافة الماء وكثافة الأجسام التي تتكون منها السفن دخل في إمكان طفو السفن على سطح الماء وسيرها فيه . وللرياح كذلك . وللقوي التي سخرها اللّه للإنسان وعرفه كيف يستخدمها كقوة البخار وقوة الكهرباء وغيرهما من القوى . وكلها من تسخير اللّه للإنسان .
« لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ »
. . بالسفر والتجارة ، والانتفاع باللحم الطري والحلي واستخدام الماء والسفن في البحار والأنهار .
« وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
. . وقد يسر اللّه لكم أسباب الشكر ، وجعلها حاضرة بين أيديكم . ليعينكم على الأداء .
هامش
( 1 ) كتاب : الإنسان لا يقوم وحده تأليف ( ا . كريسي . موريسون رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك ) ترجمة محمود صالح الفلكي بعنوان : العلم يدعو إلى الإيمان .
في ظلال القرآن — صفحة 2934 | سيد قطب