وإنه لكذلك . فمنذ جاء القرآن استقر منهج الحق واتضح . ولم يعد الباطل إلا مماحكة ومماحلة أمام الحق الواضح الحاسم الجازم . ومهما يقع من غلبة مادية للباطل في بعض الأحوال والظروف ، إلا أنها ليست غلبة على الحق .
إنما هي غلبة على المنتمين إلى الحق . غلبة الناس لا المبادئ . وهذه موقوتة ثم تزول . أما الحق فواضح بين صريح .
والإيقاع الأخير :
« قُلْ : إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي . وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي . إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ »
. .
فلا عليكم إذن إن ضللت . فإنما أضل على نفسي . وإن كنت مهتديا فإن اللّه هو الذي هداني بوحيه ، لا أملك لنفسي منه شيئا إلا بإذنه . وأنا تحت مشيئته أسير فضله .
« إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ »
. .
وهكذا كانوا يجدون اللّه . هكذا كانوا يجدون صفاته هذه في نفوسهم . كانوا يجدونها رطبة بالحياة الحقيقية .
كانوا يحسون أن اللّه يسمع لهم وهو قريب منهم . وأنه معنى بأمرهم عناية مباشرة ؛ وأن شكواهم ونجواهم تصل إليه بلا واسطة . وأنه لا يهملها ولا يكلها إلى سواه . ومن ثم كانوا يعيشون في أنس بربهم . في كنفه . في جواره .
في عطفه . في رعايته . ويجدون هذا كله في نفوسهم حيا ، واقعا ، بسيطا ، وليس معنى ولا فكرة ولا مجرد تمثيل وتقريب .
« إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ »
. .
وأخيرا يجيء الختام في مشهد من مشاهد القيامة حافل بالحركة العنيفة المترددة بين الدنيا والأخرى . كأنما هو مجال واحد ، وهم كرة يتقاذفها السياق في المشهد السريع العنيف :
« وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ . وَقالُوا : آمَنَّا بِهِ . وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ؟ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ . وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ ، كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ ، إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ »
. .
« وَلَوْ تَرى »
. . فالمشهد معروض للأنظار .
« إِذْ فَزِعُوا »
. . من الهول الذي فوجئوا به . وكأنما أرادوا الإفلات
« فَلا فَوْتَ »
ولا إفلات
« وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ »
. . ولم يبعدوا في محاولتهم البائسة وحركتهم المذهولة .
« وَقالُوا : آمَنَّا بِهِ »
. . الآن بعد فوات الأوان . .
« وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ؟ »
وكيف يتناولون الإيمان من مكانهم هذا . ومكان الإيمان بعيد عنهم فقد كان ذلك في الدنيا ، فضيعوه !
« وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ »
. . فانتهى الأمر ، ولم يعد لهم أن يحاولوه اليوم !
« وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ »
. . ذلك حين أنكروا هذا اليوم ، وهو غيب كان ، فلم يكن لهم على إنكاره من دليل ، إنما كانوا يقذفون بالغيب من مكان بعيد . واليوم يحاولون تناول الإيمان به من مكان كذلك بعيد !
« وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ »
. . من الإيمان في غير موعده ، والإفلات من العذاب الذي يشهدونه ، والنجاة من الخطر الذي يواجهونه .
« كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ »
. . ممن أخذهم اللّه ، فطلبوا النجاة بعد نفاذ الأمر ، وبعد أن لم يعد منه مفر .
« إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ »
. . فها هو ذا اليقين بعد الشك المريب !