قال الإمام أحمد : حدثنا أبو نعيم بشير ابن المهاجر ، حدثني عبد اللّه بن بريرة عن أبيه - رضي اللّه عنه - قال : خرج علينا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يوما ، فنادى ثلاث مرات : « أيها الناس أتدرون ما مثلي ومثلكم ؟ » قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم . فبعثوا رجلا يتراءى لهم ، فبينما هو كذلك أبصر العدو ، فأقبل لينذرهم ، وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه ، فأهوى بثوبه . أيها الناس آتيتم . أيها الناس آتيتم . أيها الناس آتيتم » . .
وروي بهذا الإسناد قال : قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « بعثت أنا والساعة جميعا . إن كادت لتسبقني » . .
ذلك هو الإيقاع الأول المؤثر الموحي . يتبعه الإيقاع الثاني :
« قُلْ : ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ . إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ . وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ »
. .
دعاهم في المرة الأولى إلى التفكر الهادئ البريء . . ما بصاحبكم من جنة . . ويدعوهم هنا أن يفكروا ويسألوا أنفسهم عما يدعوه إلى القيام بإنذارهم بين يدي عذاب شديد . ما مصلحته ؟ ما بواعثه ؟ ما ذا يعود عليه ؟ ويأمره أن يلمس منطقهم ويوقظ وجدانهم إلى هذه الحقيقة في صورة موحية :
« قُلْ : ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ »
! خذوا أنتم الأجر الذي طلبته منكم ! وهو أسلوب فيه تهكم . وفيه توجيه . وفيه تنبيه .
« إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ »
. .
هو الذي كلفني . وهو الذي يأجرني . وأجره هو الذي أتطلع إليه . ومن يتطلع إلى ما عند اللّه فكل ما عند الناس هين عنده هزيل زهيد لا يستحق التفكير .
« وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ »
. .
يعلم ويرى ولا يخفى عليه شيء . وهو عليّ شهيد . فيما أفعل وفيما أنوي وفيما أقول .
ويشتد الإيقاع الثالث وتقصر خطاه :
« قُلْ : إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ »
. .
وهذا الذي جئتكم به هو الحق . الحق القوي الذي يقذف به اللّه . فمن ذا يقف للحق الذي يقذف به اللّه ؟ إنه تعبير مصور مجسم متحرك . وكأنما الحق قذيفة تصدع وتخرق وتنفذ ولا يقف لها أحد في طريق . . يقذف بها اللّه
« عَلَّامُ الْغُيُوبِ »
فهو يقذف بها عن علم ، ويوجهها على علم ، ولا يخفى عليه هدف ، ولا تغيب عنه غاية ، ولا يقف للحق الذي يقذف به معترض ولا سد يعوق . فالطريق أمامه مكشوف ليس فيه مستور ! ويتلوه الإيقاع الرابع في مثل عنفه وسرعته :
« قُلْ : جاءَ الْحَقُّ ، وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ »
. .
جاء هذا الحق في صورة من صوره ، في الرسالة ، وفي قرآنها ، وفي منهجها المستقيم . قل : جاء الحق . أعلن هذا الإعلان . وقرر هذا الحدث . واصدع بهذا النبأ . جاء الحق . جاء بقوته . جاء بدفعته . جاء باستعلائه وسيطرته
« وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ »
. . فقد انتهى أمره . وما عادت له حياة ، وما عاد له مجال ، وقد تقرر مصيره وعرف أنه إلى زوال .
إنه الإيقاع المزلزل ، الذي يشعر من يسمعه أن القضاء المبرم قد قضى ، وأنه لم يعد هناك مجال لشيء آخر يقال .