ويلمس قلوبهم بتذكيرهم بمصارع الذين كذبوا من قبل . وهم لم يؤتوا معشار ما أوتي أولئك الغابرون .
من علم ، ومن مال ، ومن قوة ، ومن تعمير . فلما كذبوا الرسل أخذهم النكير . أي الهجوم المدوي المنكر الشديد :
« وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ - وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ - فَكَذَّبُوا رُسُلِي . فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ؟ »
. .
ولقد كان النكير عليهم مدمرا مهلكا . وكانت قريش تعرف مصارع بعضهم في الجزيرة . فهذا التذكير يكفي . وهذا السؤال التهكمي
« فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ؟ »
سؤال موح يلمس قلوب المخاطبين . وهم يعرفون كيف كان ذلك النكير ! وهنا يدعوهم دعوة خالصة إلى منهج البحث عن الحق ، ومعرفة الافتراء من الصدق ، وتقدير الواقع الذي يواجهونه من غير زيف ولا دخل :
« قُلْ : إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ . . أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا . ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ . إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ »
. .
إنها دعوة إلى القيام للّه . بعيدا عن الهوى . بعيدا عن المصلحة . بعيدا عن ملابسات الأرض . بعيدا عن الهواتف والدوافع التي تشتجر في القلب ، فتبعد به عن اللّه . بعيدا عن التأثر بالتيارات السائدة في البيئة . والمؤثرات الشائعة في الجماعة .
دعوة إلى التعامل مع الواقع البسيط ، لا مع القضايا والدعاوى الرائجة ؛ ولا مع العبارات المطاطة ، التي تبعد القلب والعقل من مواجهة الحقيقة في بساطتها .
دعوة إلى منطق الفطرة الهادئ الصافي ، بعيدا عن الضجيج والخلط واللبس ؛ والرؤية المضطربة والغبش الذي يحجب صفاء الحقيقة .
وهي في الوقت ذاته منهج في البحث عن الحقيقة . منهج بسيط يعتمد على التجرد من الرواسب والغواشي والمؤثرات . وعلى مراقبة اللّه وتقواه .
وهي
« بِواحِدَةٍ »
. . إن تحققت صح المنهج واستقام الطريق . القيام للّه . . لا لغرض ولا لهوى ولا لمصلحة ولا لنتيجة . . التجرد . . الخلوص . . ثم التفكر والتدبر بلا مؤثر خارج عن الواقع الذي يواجهه القائمون للّه المتجردون .
« أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ . مَثْنى وَفُرادى »
. . مثنى ليراجع أحدهما الآخر ، ويأخذ معه ويعطي في غير تأثر بعقلية الجماهير التي تتبع الانفعال الطارئ ، ولا تتلبث لتتبع الحجة في هدوء . . وفرادى مع النفس وجها لوجه في تمحيص هادئ عميق .
« ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا . ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ »
. . فما عرفتم عنه إلا العقل والتدبر والرزانة . وما يقول شيئا يدعو إلى التظنن بعقله ورشده . إن هو إلا القول المحكم القوي المبين .
« إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ »
. .
لمسة تصور العذاب الشديد وشيكا أن يقع ، وقد سبقه النذير بخطوة لينقذ من يستمع . كالهاتف المحذر من حريق في دار يوشك أن يلتهم من لا يفر من الحريق . وهو تصوير - فوق أنه صادق - بارع موح مثير . .