تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2911

مساهمون:

ص٢٩١١
المبسوط لهم في الرزق أو المضيق عليهم فيه . فمن وهبه اللّه مالا وولدا فأحسن فيهما التصرف فقد يضاعف له اللّه في الثواب جزاء ما أحسن في نعمة اللّه . وليست الأموال والأولاد بذاتها هي التي تقربهم من اللّه ؛ ولكن تصرفهم في الأموال والأولاد هو الذي يضاعف لهم في الجزاء :
« وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى . إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ . وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ »
. . ثم يكرر قاعدة أن بسط الرزق وقبضه أمر آخر يريده اللّه لحكمة منفصلة ؛ وأن ما ينفق منه في سبيل اللّه هو الذخر الباقي الذي يفيد ، لتقر هذه الحقيقة واضحة في القلوب :
« قُلْ : إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ . وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ »
. . ويختم هذه الجولة بمشهدهم محشورين يوم القيامة ، حيث يواجههم اللّه سبحانه بالملائكة الذين كانوا يعبدونهم من دون اللّه ؛ ثم يذوقون عذاب النار الذي كانوا يستعجلون به ، ويقولون متى هذا الوعد ؟ كما جاء في أول هذا الشوط :
« وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ : أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ؟ قالُوا : سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ . بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ . فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا ، وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا : ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ »
. . فهؤلاء هم الملائكة الذين كانوا يعبدونهم من دون اللّه ، أو يتخذونهم عنده شفعاء . هؤلاء هم يواجهون بهم ، فيسبحون اللّه تنزيها له من هذا الادعاء ، ويتبرءون من عبادة القوم لهم . فكأنما هذه العبادة كانت باطلا أصلا ، وكأنما لم تقع ولم تكن لها حقيقة . إنما هم يتولون الشيطان . إما بعبادته والتوجه إليه ، وإما بطاعته في اتخاذ شركاء من دون اللّه . وهم حين عبدوا الملائكة إنما كانوا يعبدون الشيطان ! ذلك إلى أن عبادة الجن عرفت بين العرب ؛ وكان منهم فريق يتوجه إلى الجن بالعبادة أو الاستعانة :
« بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ »
. . ومن هنا تجيء علاقة قصة سليمان والجن بالقضايا والموضوعات التي تعالجها السورة ، على طريقة سياقة القصص في القرآن الكريم . وبينما المشهد معروض يتغير السياق من الحكاية والوصف إلى الخطاب والمواجهة . ويوجه القول إليهم بالتأنيب والتبكيت :
« فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا »
. . لا الملائكة يملكون للناس شيئا . ولا هؤلاء الذين كفروا يملك بعضهم لبعض شيئا . والنار التي كذب بها الظالمون ، وكانوا يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ، ها هم أولاء يرونها واقعا لا شك فيه :
« وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا : ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ »
وبهذا تختم الجولة مركزة على قضية البعث والحساب والجزاء كسائر الجولات في هذه السورة .
في ظلال القرآن — صفحة 2911 | سيد قطب