تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2908

مساهمون:

ص٢٩٠٨
من الجزاء ؛ وتقرير أن ذلك موكول إلى موعده المقدور له في غيب اللّه :
« وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً »
. . هذه هي حدود الرسالة العامة للناس جميعا . . التبشير والإنذار . وعند هذا الحد تنتهي ؛ أما تحقيق هذا التبشير وهذا الإنذار فهو من أمر اللّه :
« وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . وَيَقُولُونَ : مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ »
. . وهذا السؤال يوحي بجهلهم لوظيفة الرسول ؛ وعدم إدراكهم لحدود الرسالة . والقرآن حريص على تجريد عقيدة التوحيد . فما محمد إلا رسول محدد الوظيفة . وهو قائم في حدود وظيفته لا يتخطاها . واللّه هو صاحب الأمر . هو الذي أرسله ، وهو الذي حدد له عمله ؛ وليس من عمله أن يتولى - ولا حتى أن يعلم - تحقيق الوعد والوعيد . . ذلك موكول إلى ربه ، وهو يعرف حدوده . فلا يسأل مجرد سؤال عن شيء لم يطلعه عليه ربه ، ولم يكل إليه أمره . وربه يكلفه أن يرد عليهم ردا معينا فيقوم به :
« قُلْ : لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ »
. . وكل ميعاد يجيء في أجله الذي قدره اللّه له . لا يستأخر لرغبة أحد ، ولا يستقدم لرجاء أحد . وليس شيء من هذا عبثا ولا مصادفة . فكل شيء مخلوق بقدر . وكل أمر متصل بالآخر . وقدر اللّه يرتب الأحداث والمواعيد والآجال وفق حكمته المستورة التي لا يدركها أحد من عباده إلا بقدر ما يكشف اللّه له . والاستعجال بالوعد والوعيد دليل على عدم إدراك هذه الحقيقة الكلية . ومن ثم فإن أكثر الناس لا يعلمون . وعدم العلم يقودهم إلى السؤال والاستعجال .
« وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا : لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ »
. . فهو العناد والإصرار ابتداء على رفض الهدى في كل مصادره . لا القرآن ، ولا الكتب التي سبقته ، والتي تدل على صدقه . فلا هذا ولا ذاك هم مستعدون للإيمان به لا اليوم ولا الغد . ومعنى هذا أنهم يصرون على الكفر ، ويجزمون عن قصد بأنهم لن ينظروا في دلائل الهدى كائنة ما كانت . فهو العمد إذن وسبق الإصرار ! عندئذ يجبههم بمشهدهم يوم القيامة ، وفيه جزاء هذا الإصرار :
« وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ ، يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا : لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ! قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا : أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى ، بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ ؟ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ! وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا : بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً . . وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ ؛ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا . هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ؟ »
. . ذلك كان قولهم في الدنيا :
« لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ »
. . فلو ترى قولهم في موقف آخر . لو ترى هؤلاء الظالمين وهم
« مَوْقُوفُونَ »
على غير إرادة منهم ولا اختيار ؛ إنما هم مذنبون بالوقوف في انتظار الجزاء
« عِنْدَ رَبِّهِمْ »
. . ربهم الذي يجزمون بأنهم لن يؤمنوا بقوله وكتبه . ثم ها هم أولاء موقوفون عنده ! لو ترى يومئذ لرأيت هؤلاء الظالمين يلوم بعضهم بعضا ، ويؤنب بعضهم بعضا ، ويلقي بعضهم تبعة ما هم فيه على بعض :
« يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ »
. . فما ذا يرجعون من القول ؟