يسدل الستار وقد شهد الظالمون أنفسهم في ذلك المشهد الحي الشاخص . شهدوا أنفسهم هناك وهم بعد أحياء في الأرض . وشهدهم غيرهم كأنما يرونهم . وفي الوقت متسع لتلافي ذلك الموقف لمن يشاء ! ذلك الذي قاله المترفون من كبراء قريش قاله قبلهم كل مترف أمام كل رسالة :
« وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها : إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ »
. .
فهي قصة معادة ، وموقف مكرور ، على مدار الدهور . وهو الترف يغلظ القلوب ، ويفقدها الحساسية ؛ ويفسد الفطرة ويغشيها فلا ترى دلائل الهداية ؛ فتستكبر على الهدى وتصر على الباطل ، ولا تتفتح للنور .
والمترفون تخدعهم القيم الزائفة والنعيم الزائل ، ويغرهم ما هم فيه من ثراء وقوة ، فيحسبونه مانعهم من عذاب اللّه ، ويخالون أنه آية الرضى عنهم ، أو أنهم في مكان أعلى من الحساب والجزاء :
« وَقالُوا : نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً ، وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ »
. .
والقرآن يضع لهم ميزان القيم كما هي عند اللّه ؛ ويبين لهم أن بسط الرزق وقبضه ، ليست له علاقة بالقيم الثابتة الأصيلة ؛ ولا يدل على رضى ولا غضب من اللّه ؛ ولا يمنع بذاته عذابا ولا يدفع إلى عذاب . إنما هو أمر منفصل عن الحساب والجزاء ، وعن الرضى والغضب ، يتبع قانونا آخر من سنن اللّه :
« قُلْ : إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ »
. .
وهذه المسألة . مسألة بسط الرزق وقبضه ؛ وتملك وسائل المتاع والزينة أو الحرمان منها ، مسألة يحيك منها شيء في صدور كثيرة . ذلك حين تتفتح الدنيا أحيانا على أهل الشر والباطل والفساد ، ويحرم من أعراضها أحيانا أهل الخير والحق والصلاح ؛ فيحسب بعض الناس أن اللّه ما كان ليغدق على أحد إلا وهو عنده ذو مقام . أو يشك بعض الناس في قيمة الخير والحق والصلاح ، وهم يرونها محوطة بالحرمان ! ويفصل القرآن هنا بين أعراض الحياة الدنيا والقيم التي ينظر اللّه إليها . ويقرر أن اللّه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر . وأن هذه مسألة ورضاه وغضبه مسألة أخرى ولا علاقة بينهما . وقد يغدق اللّه الرزق على من هو عليه غاضب كما يغدقه على من هو عليه راض . وقد يضيق اللّه على أهل الشر كما يضيق على أهل الخير . ولكن العلل والغايات لا تكون واحدة في جميع هذه الحالات .
لقد يغدق اللّه على أهل الشر استدراجا لهم ليزدادوا سوءا وبطرا وإفسادا ، ويتضاعف رصيدهم من الإثم والجريمة ، ثم يأخذهم في الدنيا أو في الآخرة - وفق حكمته وتقديره - بهذا الرصيد الأثيم ! وقد يحرمهم فيزدادوا شرا وفسوقا وجريمة ، وجزعا وضيقا ويأسا من رحمة اللّه ، وينتهوا بهذا إلى مضاعفة رصيدهم من الشر والضلال .
ولقد يغدق اللّه على أهل الخير ، ليمكنهم من أعمال صالحة كثيرة ما كانوا بالغيها لو لم يبسط لهم في الرزق ، وليشكروا نعمة اللّه عليهم بالقلب واللسان والفعل الجميل ؛ ويذخروا بهذا كله رصيدا من الحسنات يستحقونه عند اللّه بصلاحهم وبما يعلمه من الخير في قلوبهم . وقد يحرمهم فيبلو صبرهم على الحرمان ، وثقتهم بربهم ، ورجاءهم فيه ، واطمئنانهم إلى قدره ، ورضاهم بربهم وحده ، وهو خير وأبقى ؛ وينتهوا بهذا إلى مضاعفة رصيدهم من الخير والرضوان .
وأيا ما كانت أسباب بسط الرزق وقبضه من عمل الناس ، ومن حكمة اللّه ، فهي مسألة منفصلة عن أن تكون دليلا بذاتها على أن المال والرزق والأبناء والمتاع قيم تقدم أو تؤخر عند اللّه . ولكنها تتوقف على تصرف