تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2474

مساهمون:

ص٢٤٧٤
طريقة القرآن الكريم في رسم مشاهد القيامة كأنها واقع مشهود « 1 » . والمشركون في تهجمهم على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وعلى القرآن في نواديهم وفي سمرهم يمثلون الكبرياء الجاهلة ، التي لا تدرك قيمة الحق لأنها مطموسة البصيرة عمياء ، فتتخذ منه مادة للسخرية والهزء والاتهام . ومثل هؤلاء في كل زمان . وليست جاهلية العرب إلا نموذجا لجاهليات كثيرة خلت في الزمان ؛ وما تزال تظهر الآن بعد الآن ! وينتقل بهم من مشهد التأنيب في الآخرة ، فيعود بهم إلى الدنيا من جديد ! يعود بهم ليسأل ويعجب من موقفهم ذاك الغريب . . ما الذي يصدهم عن الإيمان بما جاءهم به رسولهم الأمين ؟ ما الشبهات التي تحيك في صدورهم فتصدهم عن الهدى ؟ ما حجتهم في الإعراض عنه ، والسمر في مجالسهم بقالة السوء فيه ؟ وهو الحق الخالص والطريق المستقيم :
« أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ؟ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ؟ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ؟ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ؟ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ! وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ . بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ . أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً ؟ فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ . وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ »
. . إن مثل ما جاء به محمد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لا يملك من يتدبره أن يظل معرضا عنه ، ففيه من الجمال ، وفيه من الكمال ، وفيه من التناسق ، وفيه من الجاذبية ، وفيه من موافقة الفطرة ، وفيه من الإيحاءات الوجدانية ، وفيه من غذاء القلب ، وفيه من زاد الفكر ، وفيه من عظمة الاتجاهات ، وفيه من قويم المناهج ، وفيه من محكم التشريع . . وفيه من كل شيء ما يستجيش كل عناصر الفطرة ويغذيها ويلبيها
« أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ »
إذن ؟ فهذا سر إعراضهم عنه لأنهم لم يتدبروه . .
« أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ؟ »
. . فكان بدعا في مألوفهم ومألوف آبائهم أن يجيئهم رسول ! أو أن يجيئهم بكلمة التوحيد ! وذلك تاريخ الرسالات كلها يثبت أن الرسل جاءوا قومهم تترى ، وكلهم جاء بالكلمة الواحدة التي يدعوهم إليها هذا الرسول !
« أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ؟ »
. . ويكون هذا هو سر الإعراض والتكذيب ! ولكنهم يعرفون رسولهم حق المعرفة . يعرفون شخصه ويعرفون نسبه ، ويعرفون أكثر من أي أحد صفاته : يعرفون صدقه وأمانته حتى لقد لقبوه قبل الرسالة بالأمين !
« أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ؟ »
كما كان بعض سفهائهم يقولون ؛ وهم على ثقة أنه العاقل الكامل ، الذي لا يعرفون عنه زلة في تاريخه الطويل ؟ إنه ما من شبهة من هذه الشبهات يمكن أن يكون لها أصل . إنما هي كراهية أكثرهم للحق ، لأنه يسلبهم القيم الباطلة التي بها يعيشون ، ويصدم أهواءهم المتأصلة التي بها يعتزون :
« بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ ، وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ »
. .
هامش
( 1 ) يراجع فصل التصوير الفني في كتاب : « التصوير الفني في القرآن » . « دار الشروق »
في ظلال القرآن — صفحة 2474 | سيد قطب