ومن ثم يربط بين هذه المشاهد الكونية وبين أطوار النشأة الإنسانية في سياق السورة .
« وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ »
. .
والطرائق هي الطبقات بعضها فوق بعض . أو وراء بعض . وقد يكون المقصود هنا سبع مدارات فلكية .
أو سبع مجموعات نجمية كالمجموعة الشمسية . أو سبع كتل سديمية . والسدم - كما يقول الفلكيون - هي التي تكون منها المجموعات النجمية . . وعلى أية حال فهي سبع خلائق فلكية فوق البشر - أي إن مستواها أعلى من مستوى الأرض في هذا الفضاء - خلقها اللّه بتدبير وحكمة ، وحفظها بناموس ملحوظ :
« وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ »
. .
« وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ؛ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ »
. .
وهنا تتصل تلك الطرائق السبع بالأرض . فالماء نازل من السماء ؛ وله علاقة بتلك الأفلاك . فتكوين الكون على نظامه هذا ، هو الذي يسمح بنزول الماء من السماء ، ويسمح كذلك بإسكانه في الأرض .
ونظرية أن المياه الجوفية ناشئة من المياه السطحية الآتية من المطر ؛ وأنها تتسرب إلى باطن الأرض فتحفظ هناك . . نظرية حديثة . فقد كان المظنون إلى وقت قريب أنه لا علاقة بين المياه الجوفية والمياه السطحية .
ولكن ها هو ذا القرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة قبل ألف وثلاث مائة عام .
« وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ »
. . بحكمة وتدبير ، لا أكثر فيغرق ويفسد ؛ ولا أقل فيكون الجدب والمحل ؛ ولا في غير أوانه فيذهب بددا بلا فائدة . .
« فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ »
. . وما أشبهه وهو مستكن في الأرض بماء النطفة وهو مستقر في الرحم .
« فِي قَرارٍ مَكِينٍ »
. . كلاهما مستقر هنالك بتدبير اللّه لتنشأ عنه الحياة . . وهذا من تنسيق المشاهد على طريقة القرآن في التصوير . .
« وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ »
. . فيغور في طبقات الأرض البعيدة بكسر أو شق في الطبقات الصخرية التي استقر عليها فحفظته . أو بغير هذا من الأسباب . فالذي أمسكه بقدرته قادر على تبديده وإضاعته . إنما هو فضل اللّه على الناس ونعمته .
ومن الماء تنشأ الحياة :
« فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ، لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ »
. .
والنخيل والأعناب نموذجان من الحياة التي تنشأ بالماء في عالم النبات - كما ينشأ الناس من ماء النطفة في عالم الإنسان - نموذجان قريبان لتصور المخاطبين إذ ذاك بالقرآن ، يشيران إلى نظائرهما الكثيرة التي تحيا بالماء .
ويخصص من الأنواع الأخرى شجرة الزيتون :
« وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ
« 1 »
لِلْآكِلِينَ »
. .
وهي من أكثر الشجر فائدة بزيتها وطعامها وخشبها . وأقرب منابتها من بلاد العرب طور سيناء . عند الوادي المقدس المذكور في القرآن . لهذا ذكر هذا المنبت على وجه خاص . وهي تنبت هناك من الماء الذي
هامش
( 1 ) الصبغ : الإدام لأنه يصبغ اللقمة .