« اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ . إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ . يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ . وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ »
.
فعن صاحب القوة العزيز الجناب يصدر الاختيار للملائكة والرسل . ومن لدن القوي العزيز جاء محمد - صلى اللّه عليه وسلم - جاء بسلطان من عند القوي العزيز الذي اختاره واصطفاه . فأنّى يقف له من يركنون إلى تلك الآلهة العاجزة الضعيفة المزدراة ؟ !
« إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ »
. . فهو يسمع ويرى فيعلم
« يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ »
علما شاملا كاملا ، لا يند عنه حاضر ولا غائب ، ولا قريب ولا بعيد .
« وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ »
. . فهو الحكم الأخير ، وله السيطرة والتدبير .
والآن وقد كشف عما في منسك المشركين من سخف وضعف ؛ وعما في عبادتهم من قصور وجهل . .
الآن يتوجه بالخطاب إلى الأمة المسلمة ، لتنهض بتكاليف دعوتها ، وتستقيم على نهجها العريق القويم :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ، وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ ، وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ ؛ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ، مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ . هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ ، وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ . فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ، وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ ، فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ »
. .
وفي هاتين الآيتين يجمع المنهاج الذي رسمه اللّه لهذه الأمة ، ويلخص تكاليفها التي ناطها بها ، ويقرر مكانها الذي قدره لها ، ويثبت جذورها في الماضي والحاضر والمستقبل ، متى استقامت على النهج الذي أراده لها اللّه .
إنه يبدأ بأمر الذين آمنوا بالركوع والسجود . وهما ركنا الصلاة البارزان . ويكنى عن الصلاة بالركوع والسجود ليمنحها صورة بارزة ، وحركة ظاهرة في التعبير ، ترسمها مشهدا شاخصا ، وهيئة منظورة . لأن التعبير على هذا النحو أوقع أثرا وأقوى استجاشة للشعور « 1 » .
ويثني بالأمر العام بالعبادة . وهي أشمل من الصلاة . فعبادة اللّه تشمل الفرائض كلها وتزيد عليها كذلك كل عمل وكل حركة وكل خالجة يتوجه بها الفرد إلى اللّه . فكل نشاط الإنسان في الحياة يمكن أن يتحول إلى عبادة متى توجه القلب به إلى اللّه . حتى لذائذه التي ينالها من طيبات الحياة بلفتة صغيرة تصبح عبادات تكتب له بها حسنات . وما عليه إلا أن يذكر اللّه الذي أنعم بها ، وينوي بها أن يتقوى على طاعته وعبادته فإذا هي عبادات وحسنات ، ولم يتحول في طبيعتها شيء ، ولكن تحول القصد منها والاتجاه ! ويختم بفعل الخير عامة ، في التعامل مع الناس بعد التعامل مع اللّه بالصلاة والعبادة . .
يأمر الأمة المسلمة بهذا رجاء أن تفلح . فهذه هي أسباب الفلاح . . العبادة تصلها باللّه فتقوم حياتها على قاعدة ثابتة وطريق واصل . وفعل الخير يؤدي إلى استقامة الحياة ، الجماعية على قاعدة من الإيمان وأصالة الاتجاه .
فإذا استعدت الأمة المسلمة بهذه العدة من الصلة باللّه واستقامة الحياة ، فاستقام ضميرها واستقامت حياتها . .
نهضت بالتبعة الشاقة :
هامش
( 1 ) يراجع فصل : « طريقة القرآن » في كتاب « التصوير الفني في القرآن » . « دار الشروق » .