تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2443

مساهمون:

ص٢٤٤٣
وإن العقل البشري ليصيبه الكلال ، وهو يتأمل - مجرد تأمل - بعض ما في السماء والأرض ، ويتصور إحاطة علم اللّه بكل هذا الحشد من الأشياء والأشخاص ، والأعمال والنيات والخواطر والحركات ، في عالم المنظور وعالم الضمير . ولكن هذا كله ، بالقياس إلى قدرة اللّه وعلمه شيء يسير :
« إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ »
. . وبعد أن يأمر اللّه رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - ألا يدع للمشركين فرصة لمنازعته في منهجه المستقيم ، يكشف عما في منهج المشركين من عوج ، وعما فيه من ضعف ، وعما فيه من جهل وظلم للحق ؛ ويقرر أنهم محرومون من عونه تعالى ونصرته . وهم بذلك محرومون من النصير :
« وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً ، وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ . وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ »
. وما لوضع ولا لشرع من قوة إلا أن يستمد قوته من اللّه . فما لم ينزل به اللّه من عنده قوة ، هو ضعيف هزيل ، خلو من عنصر القوة الأصيل . وهؤلاء إنما يعبدون آلهة من الأصنام والأوثان ، أو من الناس أو الشيطان . . وهذه كلها لم ينزل اللّه بها قوة من عنده ، فهي محرومة من القوة . وهم لا يعبدونها عن علم ولا دليل يقتنعون به ، إنما هو الوهم والخرافة . وما لهم من نصير يلجئون إليه وقد حرموا من نصرة اللّه العزيز القدير . وأعجب شيء أنهم وهم يعبدون من دون اللّه ما لم ينزل به سلطانا ، وما ليس لهم به علم . لا يستمعون لدعوة الحق ، ولا يتلقون الحديث عنها بالقبول . إنما تأخذهم العزة بالإثم ، ويكادون يبطشون بمن يتلون عليهم كلام اللّه :
« وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ ، يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا »
. . إنهم لا يناهضون الحجة بالحجة ، ولا يقرعون الدليل بالدليل إنما هم يلجئون إلى العنف والبطش عندما تعوزهم الحجة ويخذلهم الدليل . وذلك شأن الطغاة دائما يشتجر في نفوسهم العتو ، وتهيج فيهم روح البطش ، ولا يستمعون إلى كلمة الحق لأنهم يدركون أن ليس لهم ما يدفعون به هذه الكلمة إلا العنف الغليظ ! ومن ثم يواجههم القرآن الكريم بالتهديد والوعيد :
« قُلْ : أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ ؟ »
بشر من ذلكم المنكر الذي تنطوون عليه ، ومن ذلك البطش الذي تهمون به . .
« النَّارُ »
. . وهي الرد المناسب للبطش والمنكر
« وَبِئْسَ الْمَصِيرُ »
. . ثم يعلن في الآفاق ، على الناس جميعا ، إعلانا مدويا عاما . . يعلن عن ضعف الآلهة المدعاة ؛ الآلهة كلها التي يتخذها الناس من دون اللّه . ومن بينها تلك الآلهة التي يستنصر بها أولئك الظالمون ، ويركن إليها أولئك الغاشمون . يعلن عن هذا الضعف في صورة مثل معروض للأسماع والأبصار ، مصور في مشهد شاخص متحرك ، تتملاه العيون والقلوب . . مشهد يرسم الضعف المزري ويمثله أبرع تمثيل :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ »
. . إنه النداء العام ، والنفير البعيد الصدى :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ »
. . فإذا تجمع الناس على النداء أعلنوا أنهم أمام مثل عام يضرب ، لا حالة خاصة ولا مناسبة حاضرة :
« ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ »
. . هذا المثل يضع قاعدة ، ويقرر حقيقة .
« إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ »
. . كل من تدعون