من دون اللّه من آلهة مدعاة . من أصنام وأوثان ، ومن أشخاص وقيم وأوضاع ، تستنصرون بها من دون اللّه ، وتستعينون بقوتها وتطلبون منها النصر والجاه . . كلهم
« لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ »
. . والذباب صغير حقير ؛ ولكن هؤلاء الذين يدعونهم آلهة لا يقدرون - ولو اجتمعوا وتساندوا - على خلق هذا الذباب الصغير الحقير ! وخلق الذباب مستحيل كخلق الجمل والفيل . لأن الذباب يحتوي على ذلك السر المعجز سر الحياة .
فيستوي في استحالة خلقه مع الجمل والفيل . . ولكن الأسلوب القرآني المعجز يختار الذباب الصغير الحقير لأن العجز عن خلقه يلقي في الحس ظل الضعف أكثر مما يلقيه العجز عن خلق الجمل والفيل ! دون أن يخل هذا بالحقيقة في التعبير . وهذا من بدائع الأسلوب القرآني العجيب ! ثم يخطو خطوة أوسع في إبراز الضعف المزري :
« وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ »
. . والآلهة المدعاة لا تملك استنقاذ شيء من الذباب حين يسلبها إياه ، سواء كانت أصناما أو أوثانا أو أشخاصا ! وكم من عزيز يسلبه الذباب من الناس فلا يملكون رده . وقد اختير الذباب بالذات وهو ضعيف حقير . وهو في الوقت ذاته يحمل أخطر الأمراض ويسلب أغلى النفائس : يسلب العيون والجوارح ، وقد يسلب الحياة والأرواح . . إنه يحمل ميكروب السل والتيفود والدوسنتاريا والرمد . . ويسلب ما لا سبيل إلى استنقاذه وهو الضعيف الحقير ! .
وهذه حقيقة أخرى كذلك يستخدمها الأسلوب القرآني المعجز . . ولو قال : وإن تسلبهم السباع شيئا لا يستنقذوه منها . . . لأوحى ذلك بالقوة بدل الضعف . والسباع لا تسلب شيئا أعظم مما يسلبه الذباب ! ولكنه الأسلوب القرآني العجيب ! ويختم ذلك المثل المصور الموحي بهذا التعقيب :
« ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ »
. ليقرر ما ألقاه المثل من ظلال ، وما أوحى به إلى المشاعر والقلوب ! وفي أنسب الظروف . . والمشاعر تفيض بالزراية والاحتقار لضعف الآلهة المدعاة يندد بسوء تقديرهم للّه ، ويعرض قوة اللّه الحق الحقيق بأنه إله :
« ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ »
. .
ما قدروا اللّه حق قدره ، وهم يشركون به تلك الآلهة الكليلة العاجزة التي لا تخلق ذبابا ولو تجمعت له .
بل لا تستنقذ ما يسلبها الذباب إياه ! ما قدروا اللّه حق قدره ، وهم يرون آثار قدرته ، وبدائع مخلوقاته ، ثم يشركون به من لا يستطيعون خلق الذباب الحقير ! ما قدروا اللّه حق قدره ، وهم يستعينون بتلك الآلهة العاجزة الكليلة عن استنقاذ ما يسلبها إياه الذباب ، ويدعون اللّه القوي العزيز . .
إنه تقرير وتقريع في أشد المواقف مناسبة للخشوع والخضوع ! وهنا يذكر أن اللّه القوي العزيز يختار رسله من الملائكة إلى الأنبياء . ويختار رسله من البشر إلى الناس .
وذلك عن علم وخبرة وقدرة :