تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2440

مساهمون:

ص٢٤٤٠
واللّه أعلى من الطغاة ، وأكبر من الجبارين :
« وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ »
. . فلن يدع البغي يستعلي والظلم يستطيل . ويستطرد السياق في استعراض دلائل القدرة في مشاهد الكون المعروضة للناس في كل حين :
« أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ، فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ؟ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ »
. ونزول الماء من السماء ، ورؤية الأرض بعده مخضرة بين عشية وصباح . . ظاهرة واقعة مكرورة . قد تذهب الألفة بجدتها في النفوس . فأما حين يتفتح الحس الشاعر ، فإن هذا المشهد في الأرض يستجيش في القلب شتى المشاعر والأحاسيس . وإن القلب ليحس أحيانا أن هذا النبت الصغير الطالع من سواد الطين ، بخضرته وغضارته ، أطفال صغار تبسم في غرارة لهذا الوجود الشائق البهيج ، وتكاد من فرحتها بالنور تطير ! والذي يحس على هذا النحو يستطيع أن يدرك ما في التعقيب بقوله :
« إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ »
. . من لطف وعمق ومشاكلة للون هذا الإحساس ، ولحقيقة ذلك المشهد وطبيعته . فمن اللطف الإلهي ذلك الدبيب اللطيف . دبيب النبتة الصغيرة من جوف الثرى ، وهي نحيلة ضئيلة ، ويد القدرة تمدها في الهواء ، وتمدها بالشوق إلى الارتفاع على جاذبية الأرض وثقلة الطين . . وبالخبرة الإلهية يتم تدبير الأمر في إنزال الماء بقدر في الوقت المناسب وبالقدر المطلوب ويتم امتزاج الماء بالتربة ، وبخلايا النبات الحية المتطلعة إلى الانطلاق والنور ! والماء ينزل من سماء اللّه إلى أرضه ، فينشئ فيها الحياة ، ويوفر فيها الغذاء والثراء . . واللّه المالك لما في السماء والأرض ، غني عما في السماء والأرض . وهو يرزق الأحياء بالماء والنبات ، وهو الغني عنهم وعما يرزقون :
« وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ »
. فما به سبحانه من حاجة إلى من في السماء والأرض ، أو ما في السماء والأرض فهو الغني عن الجميع . . وهو المحمود على آلائه ، المشكور على نعمائه ، المستحق للحمد من الجميع . ويستطرد السياق مرة أخرى إلى استعراض دلائل القدرة المعروضة للناس في كل حين :
« أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ ، وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ . وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ . إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ »
. . وفي هذه الأرض كم من قوة وكم من ثروة سخرها اللّه لهذا الإنسان ؛ وهو غافل عن يد اللّه ونعمته التي يتقلب فيها بالليل والنهار ! لقد سخر اللّه ما في الأرض لهذا الإنسان ، فجعل نواميسها موافقة لفطرته وطاقاته . ولو اختلفت فطرة الإنسان وتركيبه عن نواميس هذه الأرض ما استطاع الحياة عليها ، فضلا على الانتفاع بها وبما فيها . . لو اختلف تركيبه الجسدي عن الدرجة التي يحتمل فيها جو هذه الأرض ، واستنشاق هوائها ، والتغذي بطعامها والارتواء بمائها لما عاش لحظة . ولو اختلفت كثافة بدنه أو كثافة الأرض عما هي عليه ما استقرت قدماه على الأرض ، ولطار في الهواء أو غاص في الثرى . . ولو خلا وجه هذه الأرض من الهواء أو كان هذا الهواء أكثف مما هو أو أخف لاختنق هذا الإنسان أو لعجز عن استنشاق الهواء مادة الحياة ! فتوافق نواميس هذه الأرض وفطرة هذا