تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2438

مساهمون:

ص٢٤٣٨
وعن عبادتهم ، ودفعا للظلم عن أنفسهم ، وقد أخرجوا من ديارهم بغير حق ، ولم تكن جريرتهم إلا أن يقولوا : ربنا اللّه ، ويبين ما أعده لهم من عوض عما تركوا من ديار وأموال . . ثم يتحدث بصفة عامة في صورة حكم عام عمن يقع عليهم الاعتداء فيردون عليه بمثله ، ثم يقع عليهم البغي والعدوان ، فيعدهم نصر اللّه في صيغة التوكيد . ويعقب على هذا الوعد الوثيق باستعراض دلائل القدرة التي تضمن تحقيق ذلك الوعد الوثيق . . وهي دلائل كونية تتجلى في صفحات الكون ونواميس الوجود ؛ وتوحي بأن نصر اللّه للمظلومين الذين يدفعون عن أنفسهم ، ويعاقبون بمثل ما وقع عليهم ، ثم يقع عليهم البغي . . سنة كونية ترتبط بنواميس الوجود الكبرى . . وعندئذ يتوجه الخطاب إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بأن لكل أمة منهجا هي مأمورة به ومهيأة لنهجه ، كل يشغل نفسه بجدال المشركين ، ولا يدع لهم فرصة لينازعوه في منهجه . فإن جادلوه فليكل أمرهم إلى اللّه ، الذي يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ، فهو أعلم بحقيقة ما هم عليه ، وهو الذي يعلم ما في السماء والأرض . ويعرّض بعبادتهم ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم ؛ وبقسوة قلوبهم ونفورهم من سماع كلمة الحق ، حتى ليكادون يبطشون بالذين يتلون عليهم آيات اللّه . ويهددهم إزاء همهم بالسطو على دعاة الحق بالنار التي جعلها اللّه مصيرهم ووعدهم بها وعدا لا بد آت ! ثم يعلن في صورة بيان عام شامل للخليقة عن ضعف من يدعونهم من دون اللّه . ويصور ضعفهم في صورة زرية لا مبالغة فيها . ولكنها بطريقة عرضها تجسم الضعف المزري . فهي صورة من لا يقدرون على منازلة الذباب ، ولا على استنقاذ ما يسلبهم إياه الذباب . . وهم آلهة كما يدعي لهم المشركون ! وينتهي الدرس وتنتهي السورة معه بتوجيه الخطاب إلى الأمة المؤمنة لتنهض بتكاليفها . وهي تكاليف الوصاية على البشرية . مستعدة لها بالركوع والسجود والعبادة وفعل الخير ، مستعينة عليها بإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة والاعتصام باللّه . .
« وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا ، لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً ، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ . لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ »
. . والهجرة في سبيل اللّه تجرد من كل ما تهفو له النفس ، ومن كل ما تعتز به وتحرص عليه : الأهل والديار والوطن والذكريات ، والمال وسائر أعراض الحياة . وإيثار العقيدة على هذا كله ابتغاء رضوان اللّه ، وتطلعا إلى ما عنده وهو خير مما في الأرض جميعا . والهجرة كانت قبل فتح مكة وقيام الدولة الإسلامية . أما بعد الفتح فلم تعد هجرة . ولكن جهاد وعمل - كما قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فمن جاهد في سبيل اللّه وعمل كان له حكم الهجرة ، وكان له ثوابها . .
« وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً »
. . سواء لاقوا اللّه شهداء بالقتل ، أو لاقوه على فراشهم بالموت . فلقد خرجوا من ديارهم وأموالهم في سبيله مستعدين لكل مصير ، واستروحوا الشهادة في هجرتهم عن أي طريق ، وضحوا بكل عرض الحياة وتجردوا بهذا للّه . فتكفل اللّه لهم بالعوض الكريم عما فقدوه :
« لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً ، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ »
. . وهو رزق أكرم وأجزل
في ظلال القرآن — صفحة 2438 | سيد قطب