من كل ما تركوا :
« لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ »
فقد خرجوا مخرجا يرضي اللّه ، فتعهد لهم اللّه بأن يدخلهم مدخلا يرضونه . وإنه لمظهر لتكريم اللّه لهم بأن يتوخى ما يرضونه فيحققه لهم ، وهم عباده ، وهو خالقهم سبحانه .
« وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ »
. . عليم بما وقع عليهم من ظلم وأذى ، وبما يرضي نفوسهم ويعوضها . حليم يمهل . ثم يوفي الظالم والمظلوم الجزاء الأوفى . .
فأما الذين يقع عليهم العدوان من البشر فقد لا يحلمون ولا يصبرون ، فيردون العدوان ، ويعاقبون بمثل ما وقع عليهم من الأذى . فإن لم يكف المعتدون ، وعاودوا البغي على المظلومين تكفل اللّه عندئذ بنصر المظلومين على المعتدين :
« ذلِكَ . وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ . إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ »
وشرط هذا النصر أن يكون العقاب قصاصا على اعتداء لا عدوانا ولا تبطرا ؛ وألا يتجاوز العقاب مثل ما وقع من العدوان دون مغالاة .
ويعقب على رد الاعتداء بمثله بأن اللّه عفو غفور . فهو الذي يملك العفو والمغفرة . أما البشر فقد لا يعفون ولا يغفرون ، وقد يؤثرون القصاص ورد العدوان . وهذا لهم بحكم بشريتهم ولهم النصر من اللّه .
بعد ذلك يربط السياق بين وعد اللّه بالنصر لمن يعاقب بمثل ما عوقب به ثم يقع عليه البغي . . يربط بين هذا الوعد وسنن اللّه الكونية الكبرى ، التي تشهد بقدرة اللّه على تحقيق وعده ، كما تشهد بدقة السنن الكونية المطردة مما يوحي بأن ذلك النصر هو إحدى هذه السنن التي لا تتخلف .
« ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ، وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ، وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ »
. .
وهي ظاهرة طبيعية تمر بالبشر صباحا ومساء ، وصيفا وشتاء . الليل يدخل في النهار عند المغيب ، والنهار يدخل في الليل عند الشروق . والليل يدخل في النهار وهو يطول في مدخل الشتاء ، والنهار يدخل في الليل وهو يمتد عند مطلع الصيف . . ويرى البشر هذه الظاهرة وتلك من إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل فينسيهم طول رؤيتها وطول ألفتها ما وراءها من دقة النواميس واطرادها . فلا تختل مرة ، ولا تتوقف مرة . وهي تشهد بالقدرة الحكيمة التي تصرف هذا الكون وفق تلك النواميس .
والسياق يوجه النظر إلى تلك الظاهرة الكونية المكرورة التي يمر عليها الناس غافلين . ليفتح بصائرهم ومشاعرهم على يد القدرة ، وهي تطوي النهار من جانب وتسدل الليل من جانب . وهي تطوي الليل من جانب وتنشر النهار من جانب . في دقة عجيبة لا تختل ، وفي اطراد عجيب لا يتخلف . . وكذلك نصر اللّه لمن يقع عليه البغي وهو يدفع عن نفسه العدوان . . إنه سنة مطردة كسنة إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل . فكذلك يزوي اللّه سلطان المتجبرين وينشر سلطان العادلين . فهي سنة كونية كتلك السنة ، يمر عليها الناس غافلين ، كما يمرون على دلائل القدرة في صفحة الكون وهم لا يشعرون ! ذلك مرتبط بأن اللّه هو الحق . فالحق هو المسيطر على نظام هذا الكون . وكل ما دون اللّه باطل يختل ويتخلف ولا يطرد أو يستقيم .
« ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ، وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ »
. .
وذلك تعليل كاف وضمان كاف لانتصار الحق والعدل ، وهزيمة الباطل والبغي . وهو كذلك ضمان لاطراد سنن الكون وثباتها ، وعدم تخلخلها أو تخلفها . ومن هذه السنن انتصار الحق وهزيمة البغي .