تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2435

مساهمون:

ص٢٤٣٥
شكا إليه زيد تعذر الحياة مع زينب قال له :
« أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ »
مراعيا في هذا كراهية القوم لزواجه منها حين يطلقها زيد . وظل يخفي ما قدر اللّه إظهاره حتى طلقها زيد . . فأنزل اللّه في هذا قرآنا ، يكشف عما جال في خاطر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ويقرر القواعد التي أراد اللّه أن يقوم تشريعه في هذه المسألة عليها :
« وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ . وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ، وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ . فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً . وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا »
. . ولقد صدقت عائشة - رضي اللّه عنها وهي تقول : لو كتم محمد - صلى اللّه عليه وسلم - شيئا مما أوحي إليه من كتاب اللّه تعالى لكتم :
« وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ، وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ »
. . وهكذا أنفذ اللّه شريعته وأحكمها ، وكشف ما خالج خاطر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من كراهية القوم لزواجه من مطلقة دعيه . ولم يمكن للشيطان أن يدخل من هذه الثغرة . وترك الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم يتخذون من هذه الحادثة ، مادة للشقاق والجدال ما تزال ! ! ! هذا هو ما نطمئن إليه في تفسير تلك الآيات . واللّه الهادي إلى الصواب . ولقد تدفع الحماسة والحرارة أصحاب الدعوات - بعد الرسل - والرغبة الملحة في انتشار الدعوات وانتصارها . . تدفعهم إلى استمالة بعض الأشخاص أو بعض العناصر بالإغضاء في أول الأمر عن شيء من مقتضيات الدعوة يحسبونه هم ليس أصيلا فيها ، ومجاراتهم في بعض أمرهم كيلا ينفروا من الدعوة ويخاصموها ! ولقد تدفعهم كذلك إلى اتخاذ وسائل وأساليب لا تستقيم مع موازين الدعوة الدقيقة ، ولا مع منهج الدعوة المستقيم . وذلك حرصا على سرعة انتصار الدعوة وانتشارها . واجتهادا في تحقيق « مصلحة الدعوة » ومصلحة الدعوة الحقيقية في استقامتها على النهج دون انحراف قليل أو كثير . أما النتائج فهي غيب لا يعلمه إلا اللّه . فلا يجوز أن يحسب حملة الدعوة حساب هذه النتائج ؛ إنما يجب أن يمضوا على نهج الدعوة الواضح الصريح الدقيق ، وأن يدعوا نتائج هذه الاستقامة للّه . ولن تكون إلا خيرا في نهاية المطاف . وها هو ذا القرآن الكريم ينبههم إلى أن الشيطان يتربص بأمانيهم تلك لينفذ منها إلى صميم الدعوة . وإذا كان اللّه قد عصم أنبياءه ورسله فلم يمكن للشيطان أن ينفذ من خلال رغباتهم الفطرية إلى دعوتهم . فغير المعصومين في حاجة إلى الحذر الشديد من هذه الناحية ، والتحرج البالغ ، خيفة أن يدخل عليهم الشيطان من ثغرة الرغبة في نصرة الدعوة والحرص على ما يسمونه « مصلحة الدعوة » . . إن كلمة « مصلحة الدعوة » يجب أن ترتفع من قاموس أصحاب الدعوات ، لأنها مزلة ، ومدخل للشيطان يأتيهم منه ، حين يعز عليه أن يأتيهم من ناحية مصلحة الأشخاص ! ولقد تتحول « مصلحة الدعوة » إلى صنم يتعبده أصحاب الدعوة وينسون معه منهج الدعوة الأصيل ! . . إن على أصحاب الدعوة أن يستقيموا على نهجها ويتحروا هذا النهج دون التفات إلى ما يعقبه هذا التحري من نتائج قد يلوح لهم أن فيها خطرا على الدعوة وأصحابها ! فالخطر الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف عن النهج لسبب من الأسباب ، سواء كان هذا الانحراف كثيرا