كل هذا الحوار كان على منظر ومسمع من يوسف . فأمر بالتفتيش . وأرشدته حصافته إلى أن يبدأ برحالهم قبل رحل أخيه ، كيلا يثير شبهة في نتيجة التفتيش :
« فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه . ثم استخرجها من وعاء أخيه » ! ويدعنا السياق نتصور الدهشة بالمفاجأة العنيفة لأبناء يعقوب الموقنين ببراءتهم ، الحالفين ، المتحدين . . فلا يذكر شيئا عن هذا ، بل يتركه يتملاه الخيال على الصورة التي تكمل رسم المشهد بانفعالاته . . بينما يأخذ في التعقيب ببعض مرامي القصة ، ريثما يفيق النظارة وأبناء يعقوب مما هم فيه :
« كذلك كدنا ليوسف » . .
أي كذلك دبرنا له هذا التدبير الدقيق .
« ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك » . .
فلو حكّم شريعة الملك ما تمكن من أخذ أخيه ، إنما كان يعاقب السارق على سرقته ، دون أن يستولي على أخيه كما استولى عليه بتحكيم إخوته لدينهم هم . وهذا هو تدبير اللّه الذي ألهم يوسف أسبابه . وهو كيد اللّه له . والكيد يطلق على التدبير في الخفاء للخير أو للشر سواء . وإن كان الشر قد غلب عليه . وظاهر الأمر هنا أنه شر يحل بأخيه وهو شر يحل بإخوته لإحراجهم أمام أبيه . وهو سوء - ولو مؤقتا - لأبيه . فلهذا اختار تسميته كيدا على إجمال اللفظ وبالإلماع إلى ظاهره . وهو من دقائق التعبير .
« ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك » . . « إلا أن يشاء اللّه » . .
فيدبر مثل هذا التدبير الذي رأيناه .
ويتضمن التعقيب الإشارة إلى ما ناله يوسف من رفعة :
« نرفع درجات من نشاء » . .
وإلى ما ناله من علم ، مع التنبيه إلى أن علم اللّه هو الأعلى :
« وفوق كل ذي علم عليم » . .
وهو احتراس لطيف دقيق .
ولا بد أن نقف أمام التعبير القرآني الدقيق العميق :
« كذلك كدنا ليوسف . . ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك . . . » . .
إن هذا النص يحدد مدلول كلمة « الدين » - في هذا الموضع - تحديدا دقيقا . . إنه يعني : نظام الملك وشرعه . . فإن نظام الملك وشرعه ما كان يجعل عقوبة السارق هو أخذه في جزاء سرقته . إنما هذا كان نظام يعقوب وشريعة دينه . وقد ارتضى إخوة يوسف تحكيم نظامهم هم وشريعتهم ؛ فطبقها يوسف عليهم عندما وجد صواع الملك في رحل أخيه . . وعبر القرآن الكريم عن النظام والشريعة بأنها « الدين » . .
هذا المدلول القرآني الواضح هو الذي يغيب في جاهلية القرن العشرين عن الناس جميعا . سواء منهم من يدعون أنفسهم مسلمين وغيرهم من الجاهليين ! إنهم يقصرون مدلول « الدين » على الاعتقاد والشعائر . . ويعدون كل من يعتقد في وحدانية اللّه وصدق رسوله ويؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ؛ ويؤدي الشعائر المكتوبة . . . داخلا في « دين اللّه » مهما تكن دينونته بالطاعة والخضوع وإقراره بالحاكمية لغير اللّه من الأرباب المتفرقة في
في ظلال القرآن — صفحة 2020
مساهمون: سيد قطب
ص٢٠٢٠