جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه ، كذلك نجزي الظالمين . فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه - كذلك كدنا ليوسف ، ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ، إلا أن يشاء اللّه ، نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم - قالوا : إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل . فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم . قال : أنتم شر مكانا . واللّه أعلم بما تصفون . قالوا : يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا ، فخذ أحدنا مكانه ، إنا نراك من المحسنين . قال : معاذ اللّه أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده . إنا إذن لظالمون » . .
وهو مشهد مثير ، حافل بالحركات والانفعالات والمفاجئات ، كأشد ما تكون المشاهد حيوية وحركة وانفعالا ، غير أن هذا صورة من الواقع يعرضها التعبير القرآني هذا العرض الحي الأخاذ .
فمن وراء الستار يدس يوسف كأس الملك - وهي عادة من الذهب - وقيل : إنها كانت تستخدم للشراب ، ويستخدم قعرها الداخل المجوف من الناحية الأخرى في كيل القمح ، لندرته وعزته في تلك المجاعة .
يدسها في الرحل المخصص لأخيه ، تنفيذا لتدبير خاص ألهمه اللّه له وسنعلمه بعد قليل .
ثم ينادي مناد بصوت مرتفع ، في صيغة إعلان عام ، وهم منصرفون :
« أيتها العير إنكم لسارقون » . .
ويرتاع إخوة يوسف لهذا النداء الذي يتهمهم بالسرقة - وهم أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - فيعودون أدراجهم يتبينون الأمر المريب :
« قالوا - وأقبلوا عليهم - ما ذا تفقدون ؟ » .
قال الغلمان الذين يتولون تجهيز الرحال ، أو الحراس ومنهم هذا الذي أذاع بالإعلان :
« قالوا : نفقد صواع الملك » . .
وأعلن المؤذن أن هناك مكافأة لمن يحضره متطوعا . وهي مكافأة ثمينة في هذه الظروف :
« ولمن جاء به حمل بعير » من القمح العزيز « وأنا به زعيم » . . أي كفيل .
ولكن القوم مستيقنون من براءتهم ، فهم لم يسرقوا ، وما جاءوا ليسرقوا وليجترحوا هذا الفساد الذي يخلخل الثقة والعلاقات في المجتمعات ، فهم يقسمون واثقين :
« قالوا : تاللّه لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض » . .
فقد علمتم من حالنا ومظهرنا ونسبنا أننا لا نجترح هذا . .
« وما كنا سارقين » . . أصلا فما يقع منا مثل هذا الفعل الشنيع .
قال الغلمان أو الحراس :
« فما جزاؤه إن كنتم كاذبين ؟ » . .
وهنا ينكشف طرف التدبير الذي ألهمه اللّه يوسف . فقد كان المتبع في دين يعقوب : أن يؤخذ السارق رهينة أو أسيرا أو رقيقا في مقابل ما يسرق . ولما كان إخوة يوسف موقنين بالبراءة ، فقد ارتضوا تحكيم شريعتهم فيمن يظهر أنه سارق . ذلك ليتم تدبير اللّه ليوسف وأخيه :
« قالوا : جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه . كذلك نجزي الظالمين » . .
وهذه هي شريعتنا نحكمها في السارق . والسارق من الظالمين .
في ظلال القرآن — صفحة 2019
مساهمون: سيد قطب
ص٢٠١٩