ثم أخذوا يحرجونه بالتلويح له بمصلحة أهلهم الحيوية في الحصول على الطعام :
« ونمير أهلنا » . .
والميرة الزاد ، ويؤكدون له عزمهم على حفظ أخيهم . .
« ونحفظ أخانا » . .
ويرغبونه بزيادة الكيل لأخيهم :
« ونزداد كيل بعير » . .
وهو ميسور لهم حين يرافقهم :
« ذلك كيل يسير » . .
ويبدو من قولهم : « ونزداد كيل بعير » أن يوسف - عليه السلام - كان يعطي كل واحد وسق بعير - وهو قدر معروف - ولم يكن يبيع كل مشتر ما يريد . وكان ذلك من الحكمة في سنوات الجدب ، كي يظل هناك قوت للجميع :
واستسلم الرجل على كره ؛ ولكنه جعل لتسليم ابنه الباقي شرطا :
« قال : لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من اللّه : لتأتنني به إلا أن يحاط بكم » . .
أي لتقسمن لي باللّه قسما يربطكم ، أن تردوا عليّ ولدي ، إلا إذا غلبتم على أمركم غلبا لا حيلة لكم فيه ، ولا تجدي مدافعتكم عنه :
« إلا أن يحاط بكم » . .
وهو كناية عن أخذ المسالك كلها عليهم . فأقسموا :
« فلما آتوه موثقهم قال : اللّه على ما نقول وكيل » . .
زيادة في التوكيد والتذكير .
وبعد هذا الموثق جعل الرجل يوصيهم بما خطر له في رحلتهم القادمة ومعهم الصغير العزيز :
« وقال : يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة . وما أغني عنكم من اللّه من شيء .
إن الحكم إلا للّه ، عليه توكلت ، وعليه فليتوكل المتوكلون » . .
ونقف هنا أمام قول يعقوب - عليه السلام - :
« إن الحكم إلا للّه » . .
وواضح من سياق القول أنه يعني هنا حكم اللّه القدري القهري الذي لا مفر منه ولا فكاك . وقضاءه الإلهي الذي يجري به قدره فلا يملك الناس فيه لأنفسهم شيئا .
وهذا هو الإيمان بالقدر خيره وشره .
وحكم اللّه القدري يمضي في الناس على غير إرادة منهم ولا اختيار . . وإلى جانبه حكم اللّه الذي ينفذه الناس عن رضي منهم واختيار . وهو الحكم الشرعي المتمثل في الأوامر والنواهي . . وهذا كذلك لا يكون إلا للّه . شأنه شأن حكمه القدري ، باختلاف واحد : هو أن الناس ينفذونه مختارين أو لا ينفذونه . فيترتب
في ظلال القرآن — صفحة 2017
مساهمون: سيد قطب
ص٢٠١٧