لا في دين اللّه - قد تهزهم هزة تخرجهم من الجاهلية إلى الإسلام ، ومن دين الملك إلى دين اللّه ! كذلك فعل الرسل - عليهم صلوات اللّه وسلامه - وكذلك ينبغي أن يفعل الدعاة إلى اللّه في مواجهة الجاهلية في كل زمان ومكان . .
ثم نعود إلى إخوة يوسف بعد هذا التعقيب القصير . نعود إليهم وقد حرك الحرج الذي يلاقونه كوامن حقدهم على أخي يوسف ، وعلى يوسف من قبله ، فإذا هم يتنصلون من نقيصة السرقة ، وينفونها عنهم ، ويلقونها على هذا الفرع من أبناء يعقوب :
« قالوا : إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل » ! إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل . . وتنطلق الروايات والتفاسير تبحث عن مصداق قولهم هذا في تعلات وحكايات وأساطير . كأنهم لم يكذبوا قبل ذلك على أبيهم في يوسف ؛ وكأنهم لا يمكن أن يكذبوا على عزيز مصر دفعا للتهمة التي تحرجهم ، وتبرءوا من يوسف وأخيه السارق ، وإرواء لحقدهم القديم على يوسف وأخيه ! لقد قذفوا بها يوسف وأخاه ! « فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم » . .
أسر هذه الفعلة وحفظها في نفسه ، ولم يبد تأثره منها . وهو يعلم براءته وبراءة أخيه . إنما قال لهم :
« أنتم شر مكانا » . .
يعني أنكم بهذا القذف شر مكانا عند اللّه من المقذوف - وهي حقيقة لا شتمة .
« وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ »
. . وبحقيقة ما تقولون . وأراد بذلك قطع الجدل في الاتهام الذي أطلقوه ، ولا دخل له بالموضوع ! . .
وعندئذ عادوا إلى الموقف المحرج الذي وقعوا فيه . عادوا إلى الموثق الذي أخذه عليهم أبوهم : « لتأتنني به إلا أن يحاط بكم » . . فراحوا يسترحمون يوسف باسم والد الفتى ، الشيخ الكبير ، ويعرضون أن يأخذ بدله واحدا منهم إن لم يكن مطلقه لخاطر أبيه ؛ ويستعينون في رجائه بتذكيره بإحسانه وصلاحه وبره لعله يلين :
« قالوا : يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا ، فخذ أحدنا مكانه ، إنا نراك من المحسنين » :
ولكن يوسف كان يريد أن يلقي عليهم درسا . وكان يريد أن يشوقهم إلى المفاجأة التي يعدها لهم ولوالده وللجميع ! ليكون وقعها أعمق وأشد أثرا في النفوس :
« قال : معاذ اللّه أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده . إنا إذن لظالمون » . .
ولم يقل معاذ اللّه أن نأخذ بريئا بجريرة سارق . لأنه كان يعلم أن أخاه ليس بسارق . فعبر أدق تعيير يحكيه السياق هنا باللغة العربية بدقة « 1 » :
هامش
( 1 ) كان يوسف يتكلم العبرية لغة أهله واللغة المصرية القديمة لغة وسطه . والمفهوم أنه كان يخاطبهم بالمصرية فيعرفونها أو تترجم لهم .