تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1797

مساهمون:

ص١٧٩٧
« وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ، فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ »
. . ونقف من هاتين الآيتين أمام حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية التي يرتكز عليها التصور الإسلامي كله وعناية المنهج القرآني بتوضيحها وتقريرها في كل مناسبة ، وفي صور شتى متنوعة . . إنه يقال للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - إن أمر هذه العقيدة ، وأمر القوم الذين يخاطبون بها كله للّه ، وأن ليس لك من الأمر شيء . دورك فيها هو البلاغ ، أما ما وراء ذلك فكله للّه . وقد ينقضي أجلك كله ولا ترى نهاية القوم الذين يكذبونك ويعاندونك ويؤذونك ، فليس حتما على اللّه أن يريك عاقبتهم ، وما ينزله بهم من جزاء . . هذا له وحده سبحانه ! أما أنت - وكل رسول - فعليك البلاغ . . ثم يمضي الرسول ويدع الأمر كله للّه . . ذلك كي يعلم العبيد مجالهم ، وكيلا يستعجل الدعاة قضاء اللّه مهما طال عليهم في الدعوة ، ومهما تعرضوا فيها للعذاب ! !
« وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ »
. . وقد كانوا يسألون في تحد واستعجال ، طالبين وقوع ما يوعدهم به النبي - صلى اللّه عليه وسلم - من قضاء اللّه فيهم ، كما قضى اللّه بين الأمم التي جاءتها رسلها فكذبت ، فأخذ اللّه المكذبين : والجواب :
« قُلْ : لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ، لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ، إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ »
. . وإذا كان الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ، فهو لا يملك لهم الضر والنفع بطبيعة الحال . ( وقد قدم ذكر الضر هنا ، وإن كان مأمورا أن يتحدث عن نفسه ، لأنهم هم يستعجلون الضر ، فمن باب التناسق قدم ذكر الضر . أما في موضع آخر في سورة الأعراف فقدم النفع في مثل هذا التعبير ، لأنه الأنسب أن يطلبه لنفسه وهو يقول : ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسي السوء ) .
« قُلْ : لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً . . إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ . . »
. فالأمر إذن للّه يحقق وعيده في الوقت الذي يشاؤه . وسنة اللّه لا تتخلف ، وأجله الذي أجله لا يستعجل :
« لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ، إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ »
. . والأجل قد ينتهي بالهلاك الحسي . هلاك الاستئصال كما وقع لبعض الأمم الخالية . وقد ينتهي بالهلاك المعنوي . هلاك الهزيمة والضياع . وهو ما يقع للأمم ، إما لفترة تعود بعدها للحياة ، وإما دائما فتضمحل وتنمحي شخصيتها وتنتهي إلى اندثارها كأمة ، وإن بقيت كأفراد . . وكل أولئك وفق سنة اللّه التي لا تتبدل ، لا مصادفة ولا جزافا ولا ظلما ولا محاباة . فالأمم التي تأخذ بأسباب الحياة تحيا والأمم التي تنحرف عنها تضعف أو تضمحل أو تموت بحسب انحرافها . والأمة الإسلامية منصوص على أن حياتها في اتباع رسولها ، والرسول يدعوها لما يحييها . لا بمجرد الاعتقاد ، ولكن بالعمل الذي تنص عليه العقيدة في شتى مرافق الحياة . وبالحياة وفق المنهج الذي شرعه اللّه لها ، والشريعة التي أنزلها ، والقيم التي قررها . وإلا جاءها الأجل وفق سنة اللّه . . ثم يبادرهم السياق بلمسة وجدانية تنقلهم من موقف السائل المستهزئ المتحدي ، إلى موقف المهدّد الذي قد يفاجئه المحظور في كل لحظة من الليل أو النهار :
« قُلْ : أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ، ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ؟ »
. . فهذا العذاب المغيب الذي لا يعلم موقعه وموعده ؛ والذي قد يحل بياتا وأنتم نيام ، أو نهارا وأنتم أيقاظ ،