تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1799

مساهمون:

ص١٧٩٩
« أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ ، وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ . قُلْ : بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ »
. .
« أَلا . . . »
بهذا الإعلان المدوي .
« أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
. والذي يملك ما في السماوات والأرض يملك أن يجعل وعده حقا فلا يعجزه عن تحقيقه معجز ، ولا يعوقه عن تصديقه معوق :
« أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ »
. .
« وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ »
. . وهم لجهلهم يشكون أو يكذبون .
« هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ »
. . والذي يملك الحياة والموت ، يملك الرجعة والحساب . .
« وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
. إنه تعقيب سريع للتوكيد السريع بعد الاستعراض المثير . ثم يعقبه النداء الجامع للبشرية جميعا :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ، وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ ، وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ »
. . جاءتكم في ذلك الكتاب الذي ترتابون فيه . جاءتكم الموعظة « من ربكم » فليس هو كتابا مفترى ، وليس ما فيه من عند بشر . جاءتكم الموعظة لتحيي قلوبكم ، وتشفي صدوركم من الخرافة التي تملؤها ، والشك الذي يسيطر عليها ، والزيغ الذي يمرضها ، والقلق الذي يحيرها . جاءت لتفيض عليها البرء والعافية واليقين والاطمئنان والسلام مع الإيمان . وهي لمن يرزق الإيمان هدى إلى الطريق الواصل ، ورحمة من الضلال والعذاب :
« قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ، هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ »
. . . فبهذا الفضل الذي آتاه اللّه عباده ، وبهذه الرحمة التي أفاضها عليهم من الإيمان . . فبذلك وحده فليفرحوا . فهذا هو الذي يستحق الفرح . لا المال ولا أعراض هذه الحياة . إن ذلك هو الفرح العلوي الذي يطلق النفس من عقال المطامع الأرضية والأعراض الزائلة ، فيجعل هذه الأعراض خادمة للحياة لا مخدومة ؛ ويجعل الإنسان فوقها وهو يستمتع بها لا عبدا خاضعا لها . والإسلام لا يحقر أعراض الحياة الدنيا ليهجرها الناس ويزهدوا فيها . إنما هو يزنها بوزنها ليستمتع بها الناس وهم أحرار الإرادة طلقاء اليد ، مطمحهم أعلى من هذه الأعراض ، وآفاقهم أسمى من دنيا الأرض . الإيمان عندهم هو النعمة ، وتأدية مقتضيات الإيمان هي الهدف . والدنيا بعد ذلك مملوكة لهم لا سلطان لها عليهم . عن عقبة بن الوليد عن صفوان بن عمرو : سمعت أيفع بن عبد اللّه الكلاعي يقول : لما قدم خراج العراق إلى عمر - رضي اللّه عنه - خرج عمر ومولى له ، فجعل عمر يعد الإبل فإذا هي أكثر من ذلك ، فجعل يقول : الحمد للّه تعالى . ويقول مولاه : هذا واللّه من فضل اللّه ورحمته ، فقال عمر : كذبت ليس هذا هو الذي يقول اللّه تعالى :
« قُلْ : بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ »
. هكذا كان الرعيل الأولون ينظرون إلى قيم الحياة . كانوا يعدون الفضل الأول والرحمة الأولى هي ما جاءهم من اللّه من موعظة وهدى . فأما المال ، وأما الثراء ، وأما النصر ذاته فهو تابع . لذلك كان النصر يأتيهم ، وكان المال ينثال عليهم ، وكان الثراء يطلبهم . . إن طريق هذه الأمة واضح . إنه في هذا الذي يسنه