تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1794

مساهمون:

ص١٧٩٤
نشأة حياة جنينية ، ونشأة حياة نباتية . ومسقط ماء . وموقد نار . ولحظة وفاة ؟ . . من هذه المشاهدات التي رآها كل إنسان ينشئ القرآن العقيدة ، لأنه يخاطب كل إنسان في كل بيئة . . وهذه المشاهدات البسيطة الساذجة بذاتها هي أضخم الحقائق الكونية ، وأعظم الأسرار الربانية ؛ فهي في بساطتها تخاطب فطرة كل إنسان ؛ وهي في حقيقتها موضوع دراسة أعلم العلماء إلى آخر الزمان . ولسنا نملك المضي أبعد من هذا في بيان طبيعة « هذا القرآن » الدالة على مصدره . ففي هذا القدر كفاية لنعود إلى سياق السورة . . وصدق اللّه العظيم :
« وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ . . . »
.
« أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ؟ قُلْ : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »
. ويضرب السياق عن المضي في الجدل بعد هذا التحدي ، ليقرر أنهم لا يتبعون إلا الظن ، فهم يحكمون على ما لم يعلموه . والحكم يجب أن يسبقه العلم ، وألا يعتمد على مجرد الهوى أو مجرد الظن . والذي حكموا عليه هنا هو الوحي بالقرآن وصدق ما فيه من الوعد والوعيد . لقد كذبوا بهذا وليس لديهم من علم يقوم عليه التكذيب ، ولما يأتهم تأويله الواقعي بوقوعه :
« بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ »
. . شأنهم في هذا شأن المكذبين من قبلهم ، الظالمين المشركين بربهم . فليتأمل المتأمل كيف كان مصير الأولين ليعرف حقيقة مصير الآخرين :
« كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ »
. . وإذا كان أكثرهم لا يتبعون إلا الظن ، ويكذبون بما لم يحصل لهم عنه علم ، فإن هناك منهم من يؤمن بهذا الكتاب ، فليسوا جميعهم من المكذبين :
« وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ . وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ »
. . والمفسدون هم الذين لا يؤمنون . وما يقع الفساد في الأرض كما يقع بضلال الناس عن الإيمان بربهم والعبودية له وحده . وما نجم الفساد في الأرض إلا من الدينونة لغير اللّه ، وما يتبع هذا من شر في حياة الناس في كل اتجاه . شر اتباع الهوى في النفس والغير ؛ وشر قيام أرباب أرضية تفسد كل شيء لتستبقي ربوبيتها المزيفة . . تفسد أخلاق الناس وأرواحهم وأفكارهم وتصوراتهم . . ثم تفسد مصالحهم وأموالهم . في سبيل بقائها المصطنع الزائف . وتاريخ الجاهلية في القديم والحديث فائض بهذا الفساد الذي ينشئه المفسدون الذين لا يؤمنون . ويعقب على تقرير مواقفهم من هذا الكتاب بتوجيه الخطاب للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بألا يتأثر بتكذيب المكذبين ، وأن ينفض يديه منهم ، ويعلنهم ببراءته من عملهم ، ويفاصلهم على ما معه من الحق في وضوح وفي حسم وفي يقين :
« وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ : لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ . أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ ، وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ »
. وهي لمسة لوجدانهم ، باعتزالهم وأعمالهم ، وتركهم لمصيرهم منفردين ، بعد بيان ذلك المصير المخيف . وذلك كما تترك طفلك المعاند الذي يأبى أن يسير معك ، في وسط الطريق وحده يواجه مصيره فريدا لا يجد منك سندا . وكثيرا ما يفلح هذا الأسلوب من التهديد !