تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1795

مساهمون:

ص١٧٩٥
ويمضي السياق يستعرض حال بعضهم من الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وهم يستمعون إليه بآذانهم وقلوبهم مغلقة . وينظرون إليه بعيونهم وبصيرتهم مطموسة ، فلا يئوبون من السمع والنظر بشيء ، ولا يهتدون إلى الطريق :
« وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ . أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ؟ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ . أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ؟ »
. إن هؤلاء الخلائق الذين يستمعون ولا يعقلون ما سمعوا ، وينظرون ولا يميزون ما نظروا . . إن هؤلاء لكثير ، في كل زمان وفي كل مكان . والرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لا يملك لهم شيئا . لأن حواسهم وجوارحهم مطموسة الاتصال بعقولهم وقلوبهم ، فكأنها معطلة لا تؤدي حقيقة وظيفتها . والرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لا يسمع الصم ، ولا يبصر العمي . فذلك من شأن اللّه وحده عزّ وجل . واللّه سن سنة وترك الخلق لمقتضى السنة . وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول ليهتدوا بها ؛ فإذا هم عطلوها حقت عليهم سنته التي لا تتخلف ولا تحابي ، ولقوا جزاءهم عدلا ، ولم يظلمهم اللّه شيئا :
« إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ، وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ »
. . وفي هذه الآيات الأخيرة تسرية عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - مما يجده في نفسه من ضيق بهذا التكذيب لما معه من الحق ، وبهذا العناد الصفيق بعد تكرار البيان والإعلام . وذلك بما يقرره له ربه من أن إباءهم الهدى لم يكن عن تقصير منه في الجهد . ولا قصور فيما معه من الحق . ولكن هؤلاء كالصم العمي . وما يفتح الآذان والعيون إلا اللّه . فهو شأن خارج عن طبيعة الدعوة والداعية داخل في اختصاص اللّه . وفيها كذلك تحديد حاسم لطبيعة العبودية ومجالها - حتى ولو تمثلت في شخص رسول اللّه . فهو عبد من عباد اللّه لا قدرة له خارج مجال العبودية . والأمر كله للّه . بعد ذلك يلمس وجدانهم لمسة خاطفة بمشهد من مشاهد القيامة ، تبدو فيه الحياة الدنيا التي تزحم حسهم ، وتشغل نفوسهم ، وتأكل اهتماماتهم . . رحلة سريعة ، قضاها الناس هناك ، ثم عادوا إلى مقرهم الدائم ودارهم الأصيلة .
« وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ . قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ ، وَما كانُوا مُهْتَدِينَ »
. . وفي هذه الجولة الخاطفة ننظر فإذا المحشورون مأخوذون بالمفاجأة ، شاعرون أن رحلتهم الدنيوية كانت قصيرة قصيرة ، حتى لكأنها ساعة من نهار قضوها في التعارف ، ثم أسدل الستار . أو هذا مجرد تشبيه لهذه الحياة الدنيا ، وللناس الذين دخلوا ثم خرجوا ، كأن لم يفعلوا شيئا سوى اللقاء والتعارف ؟ إنه لتشبيه ، ولكنه حق اليقين وإلا فهل ينتهي البشر في هذه الأرض من عملية التعارف ؟ إنهم يجيئون ويذهبون وما يكاد أحدهم ينتهي من التعرف إلى الآخرين ، وما تكاد الجماعة فيهم تنتهي من التعرف إلى الجماعات الأخرى . ثم يذهبون . وإلا فهل هؤلاء الأفراد الذين يتنازعون ويتعاركون ويقع من سوء التفاهم بينهم وبين بعضهم في كل ساعة