ما بالنا نعجب وعشرات الألوف ممن يستمعون إلى القرآن من عوامنا لا يطرق عقولهم منه شيء ، ولكن يطرق قلوبهم إيقاعه - وسره هذا - وهم لا يفترقون كثيرا من ناحية فهم لغة القرآن عن هذه السيدة اليوغسلافية ! ! ! ولقد أردت أن أقدم للحديث عن القرآن بسلطانه هذا الخفي العجيب . قبل أن أتحدث عن الجوانب المدركة التي يعرفها أكثر من غيرهم من يزاولون فن التعبير . ومن يزاولون التفكير والشعور ! إن الأداء القرآني يمتاز بالتعبير عن قضايا ومدلولات ضخمة في حيز يستحيل على البشر أن يعبروا فيه عن مثل هذه الأغراض ، وذلك بأوسع مدلول ، وأدق تعبير ، وأجمله وأحياه أيضا ! مع التناسق العجيب بين المدلول والعبارة والإيقاع والظلال والجو . ومع جمال التعبير دقة الدلالة في آن واحد ، بحيث لا يغني لفظ عن لفظ في موضعه ، وبحيث لا يجوز الجمال على الدقة ولا الدقة على الجمال . ويبلغ من ذلك كله مستوى لا يدرك إعجازه أحد ، كما يدرك ذلك من يزاولون فن التعبير فعلا ؛ لأن هؤلاء هم الذين يدركون حدود الطاقة البشرية في هذا المجال . ومن ثم يتبينون بوضوح أن هذا المستوي فوق الطاقة البشرية قطعا « 1 » .
وينشأ عن هذه الظاهرة ظاهرة أخرى في الأداء القرآني . . هي أن النص الواحد يحوي مدلولات متنوعة متناسقة في النص ؛ وكل مدلول منها يستوفي حظه من البيان والوضوح دون اضطراب في الأداء أو اختلاط بين المدلولات ؛ وكل قضية وكل حقيقة تنال الحيز الذي يناسبها . بحيث يستشهد بالنص الواحد في مجالات شتى ؛ ويبدو في كل مرة أصيلا في الموضع الذي استشهد به فيه ؛ وكأنما هو مصوغ ابتداء لهذا المجال ولهذا الموضع ! وهي ظاهرة قرآنية بارزة لا تحتاج منا إلى أكثر من الإشارة إليها ( ولو راجع القارئ المقتطفات الواردة في التعريف بهذه السورة لوجد أن النص الواحد يرد للدلالة على أغراض شتى ، وهو في كل مرة أصيل في موضعه تماما . وليس هذا إلا مثالا ) .
وللأداء القرآني طابع بارز كذلك في القدرة على استحضار المشاهد ، والتعبير المواجه كما لو كان المشهد حاضرا ، بطريقة ليست معهودة على الإطلاق في كلام البشر ؛ ولا يملك الأداء البشري تقليدها . لأنه يبدو في هذه الحالة مضطربا غير مستقيم مع أسلوب الكتابة ! وإلا فكيف يمكن للأداء البشري أن يعبر على طريقة الأداء القرآني مثلا في مثل هذه المواضع :
« وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده - بغيا وعدوا - حتى إذا أدركه الغرق قال : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين . . ( وإلى هنا هي قصة تحكى ) . . ثم يعقبها مباشرة خطاب موجه في مشهد حاضر . . « آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ؟ ! فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية » . . ثم يعود الأداء للتعقيب على المشهد الحاضر : « وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون » . .
« قل : أي شيء أكبر شهادة . قل اللّه ، شهيد بيني وبينكم ، وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ » . .
وإلى هنا أمر يوجه ورسول يتلقى . . ثم فجأة نجد الرسول يسأل القوم :
« أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ؟ »
وإذا به يعود للتلقي في شأن هذا الذي سأل عنه قومه - وأجابوه ! - : « قل : لا أشهد . قل : إنما هو إله واحد ، وإنني بريء مما تشركون » . .
وكذلك هذه الالتفاتات المتكررة في مثل هذه الآيات : « ويوم يحشرهم جميعا . . يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس . . وقال أولياؤهم من الإنس : ربنا استمتع بعضنا ببعض ، وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا .
هامش
( 1 ) عقدت لهذا الموضوع فصولا كاملة في كتاب : « التصوير الفني في القرآن » . . « دار الشروق » .