تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1785

مساهمون:

ص١٧٨٥
وفي النظام الإنساني الذي يتضمن قواعده ؛ وبهذا الكمال في تصوير حقيقة الألوهية ، وفي تصوير طبيعة البشر ، وطبيعة الحياة ، وطبيعة الكون . . لا يمكن أن يكون مفترى من دون اللّه ، لأن قدرة واحدة هي التي تملك الإتيان به هي قدرة اللّه . القدرة التي تحيط بالأوائل والأواخر ، وبالظواهر والسرائر ، وتضع المنهج المبرأ من القصور والنقص ومن آثار الجهل والعجز . .
« وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ »
. . ما كان من شأنه أصلا أن يفترى . فليس الافتراء هو المنفي ، ولكن جواز وجوده هو المنفي . وهو أبلغ في النفي وأبعد .
« وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ »
. . من الكتب التي سبق بها الرسل . تصديقها في أصل العقيدة ، وفي الدعوة إلى الخير .
« وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ »
. . الواحد الذي جاء به الرسل جميعا من عند اللّه ، تتفق أصوله وتختلف تفصيلاته . . وهذا القرآن يفصل كتاب اللّه ويبين وسائل الخير الذي جاء به ، ووسائل تحقيقه وصيانته : فالعقيدة في اللّه واحدة ، والدعوة إلى الخير واحدة . ولكن صورة هذا الخير فيها تفصيل ، والتشريع الذي يحققه فيه تفصيل ، يناسب نمو البشرية وقتها ، وتطورات البشرية بعدها ، بعد أن بلغت سن الرشد فخوطبت بالقرآن خطاب الراشدين ، ولم تخاطب بالخوارق المادية التي لا سبيل فيها للعقل والتفكير .
« لا رَيْبَ فِيهِ ، مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ »
. . تقرير وتوكيد لنفي جواز افترائه عن طريق إثبات مصدره :
« مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ »
. .
« أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ؟ »
. بعد هذا النفي والتقرير ، فهو إذن من صنع محمد . ومحمد بشر ينطق باللغة التي ينطقون بها ، ولا يملك من حروفها إلا ما يملكون . ( ألف . لام . ميم ) . . ( ألف . لام . را . ) . . ( ألف . لام . ميم . صاد ) . . . إلخ . فدونهم إذن - ومعهم من يستطيعون جمعهم - فليفتروا ، كما افترى ( بزعمهم ) محمد . فليفتروا سورة واحدة لا قرآنا كاملا :
« قُلْ : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »
. وقد ثبت هذا التحدي ؛ وثبت العجز عنه . وما يزال ثابتا ولن يزال . والذين يدركون بلاغة هذه اللغة ، ويتذوقون الجمال الفني والتناسق فيها ، يدركون أن هذا النسق من القول لا يستطيعه إنسان . وكذلك الذين يدرسون النظم الاجتماعية ، والأصول التشريعية ، ويدرسون النظام الذي جاء به هذا القرآن ، يدركون أن النظرة فيه إلى تنظيم الجماعة الإنسانية ومقتضيات حياتها من جميع جوانبها ، والفرص المدخرة فيه لمواجهة الأطوار والتقلبات في يسر ومرونة . . كل أولئك أكبر من أن يحيط به عقل بشري واحد ، أو مجموعة العقول في جيل واحد أو في جميع الأجيال . ومثلهم الذين يدرسون النفس الإنسانية ووسائل الأصول إلى التأثير فيها وتوجيهها ثم يدرسون وسائل القرآن وأساليبه . . فليس هو إعجاز اللفظ والتعبير وأسلوب الأداء وحده ، ولكنه الاعجاز المطلق الذي يلمسه الخبراء في هذا وفي النظم والتشريعات والنفسيات وما إليها . . والذين زاولوا فن التعبير ، والذين لهم بصر بالأداء الفني ، يدركون أكثر من غيرهم مدى ما في الأداء