تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1789

مساهمون:

ص١٧٨٩
ثم يقيس على نتائجها . والعلم نفسه يسلم بأن النتائج الناشئة عن هذا القياس ظنية محتملة لا يقينية قطعية ( وذلك بالإضافة إلى أن كل تجربة على حدة ، تقوم على ترجيح أحد « الاحتمالات » لا على القطع الحتمي ) . . فلم يبق من علم مستيقن يمكن أن يحصل عليه البشر إلا العلم الذي يأتيهم من عند العليم الخبير ، والذي يقصه عليهم من يقص الحق وهو خير الفاصلين « 1 » . ثانيا : بكونه مبرأ من الانقطاع والتمزق الملحوظين في الدراسات « العلمية » والتأملات « الفلسفية » والومضات « الفنية » جميعا . فهو لا يفرد كل جانب من جوانب ( الكل ) الجميل المتناسق بحديث مستقل . كما تصنع أساليب الأداء البشرية . وإنما هو يعرض هذه الجوانب في سياق موصول ؛ يرتبط فيه عالم الشهادة بعالم الغيب . وتتصل فيه حقائق الكون والحياة والإنسان بحقيقة الألوهية . وتتصل فيه الدنيا بالآخرة . وحياة الناس في الأرض بحياة الملأ الأعلى . . في أسلوب تتعذر مجاراته أو تقليده ؛ لأن الأسلوب البشري عندما يحاول تقليده في هذه الخاصية تبدو فيه الحقائق مختلطة مضطربة غامضة ، غير واضحة ولا محددة ولا منسقة ، كما تبدو في المنهج القرآني ! « وهذا الاتصال والارتباط في عرض جملة الحقائق في السياق القرآني الواحد ؛ قد يختلف فيه التركيز على أي منها بين موضع وموضع . ولكن هذا الترابط يبدو دائما . فعند ما يكون التركيز في موضع من السياق القرآني مثلا على تعريف الناس بربهم الحق ، تتجلى هذه الحقيقة الكبيرة في آثار القدرة الإلهية الفاعلة في الكون والحياة والإنسان . في عالم الغيب وعالم الشهادة سواء . . وعندما يكون التركيز في موضع آخر على التعريف بحقيقة الكون ، تتجلى العلاقة بين « حقيقة الألوهية » و « حقيقة الكون » ، ويتطرق السياق كثيرا إلى حقيقة الحياة والأحياء ، وإلى سنن اللّه في الكون والحياة . . وعندما يكون التركيز على « حقيقة الإنسان » يتجلى ارتباطها بحقيقة الألوهية وبالكون والأحياء ، وبعالم الغيب وعالم الشهادة على السواء . . وعندما يكون التركيز على الدار الآخرة تذكر الحياة الدنيا وترتبطان باللّه وبسائر الحقائق الأخرى . . وكذلك عندما يكون التركيز على قضايا الحياة الدنيا . . إلى آخر هذا النسق من العرض ، الواضح الملامح في القرآن . ثالثا : بكونه - مع تماسك جوانب « الحقيقة » وتناسقها - يحافظ تماما على إعطاء كل جانب من جوانبها - في الكل المتناسق - مساحته التي تساوي وزنه الحقيقي في ميزان اللّه - وهو الميزان - ومن ثم تبدو « حقيقة الألوهية » وخصائصها ، وقضية « الألوهية والعبودية » بارزة مسيطرة محيطة شاملة ؛ حتى ليبدو أن التعريف بتلك الحقيقة وتجلية هذه القضية هو موضوع القرآن الأساسي « 2 » . . وتشغل حقيقة عالم الغيب - بما فيه القدر والدار الآخرة - مساحة بارزة . ثم تنال حقيقة الإنسان ، وحقيقة الكون ، وحقيقة الحياة ، أنصبة متناسقة تناسق هذه الحقائق في عالم الواقع . . وهكذا لا تدغم حقيقة من الحقائق ، ولا تهمل ، ولا تضيع معالمها في المشهد الكلي الذي تعرض فيه هذه الحقائق . . وكما أن هذه الحقائق لا يطغى بعضها على بعض في التصور الإسلامي ذاته - كما بينا في فصل « التوازن » في القسم الأول « 3 » - حيث لا ينتهي الإعجاب بالكون المادي ودقة نواميسه
هامش
( 1 ) من أجل ذلك تتلقى الكينونة البشرية هذا الحق ، وتحس له سلطانا ليس لغيره من كل ما تتلقاه من أي مصدر آخر . . وهذا أحد أسرار القرآن المعجزة من الناحية الموضوعية . ( 2 ) وقد بينا من قبل في تفسير السورة سر هذه العناية الإلهية بتحقيق هذه الحقيقة وتجلية هذه القضية . راجع من ص 1752 إلى ص 1755 من هذا الجزء . ( 3 ) يراجع القسم الأول من كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » ص 134 - ص 170 . « دار الشروق » .
في ظلال القرآن — صفحة 1789 | سيد قطب