تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1790

مساهمون:

ص١٧٩٠
وتناسق أجزائه وقوانينه إلى تألهه - كمؤلهة العوالم المادية والأكوان الطبيعية قديما وحديثا ! - ولا ينتهي الإعجاب بعظمة الحياة واهتدائها إلى وظائفها وتناسقها مع نفسها ومع المحيط الكوني إلى تأليهها - كأصحاب المذهب الحيوي ! - ولا ينتهي الإعجاب بالإنسان ، وتفرده في خصائصه والاستعدادات الكامنة في كيانه المنطلقة في تعامله مع الكون ، إلى تأليه الإنسان - أو العقل - في صورة من الصور - كالمثاليين في عمومهم ! - ولا ينتهي الإجلال للحقيقة الإلهية في ذاتها إلى إنكار وجود العوالم المادية أو احتقارها أو احتقار الكائن الإنساني - كالمذاهب الهندوكية والبوذية والنصرانية المحرفة - . . كما أن هذا التوازن هو طابع التصور الإسلامي ذاته ، فكذلك هو طابع منهج العرض القرآني لمقومات هذا التصور والحقائق التي يقوم عليها بحيث تبدو كلها واضحة في المشهد الفريد الذي يرسمه للكل في السياق القرآني الواحد ! وهي خاصية قرآنية لا يملكها الأداء الإنساني ! رابعا : بتلك الحيوية الدافقة المؤثرة الموحية - مع الدقة والتقرير والتحديد الحاسم ، وهي تمنح هذه الحقائق حيوية وإيقاعا وروعة وجمالا ، لا يتسامى إليها المنهج البشري في العرض ولا الأسلوب البشري في التعبير . ثم هي في الوقت ذاته تعرض في دقة عجيبة ، وتحديد حاسم ؛ ومع ذلك لا تجور الدقة على الحيوية والجمال ، ولا يجور التحديد على الإيقاع والروعة ! « ولا يمكن أن نصف نحن في أسلوبنا البشري ، ملامح المنهج القرآني ، فنبلغ من ذلك ما يبلغه تذوق هذا المنهج . كما أنه لا يمكن أن نبلغ بهذا البحث كله عن « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » شيئا مما يبلغه القرآن في هذا الشأن . . وما نحاول تقديم هذا البحث للناس إلا لأن الناس قد بعدوا عن القرآن ببعدهم عن الحياة في مثل الجو الذي تنزل فيه القرآن ؛ ولم يعودوا يزاولون تلك الملابسات ، ولا يعانون تلك الاهتمامات التي كان يزاولها ويعانيها من كان يتنزل عليهم القرآن ، بينما هم ينشئون المجتمع المسلم في وجه كل الملابسات القائمة حينذاك . ومن ثم لم يعد الناس قادرين على تذوق المنهج القرآني ذاته ، والاستمتاع بخصائصه ومذاقاته » . . . انتهت المقتطفات . . والقرآن يقدم حقائق العقيدة - أحيانا - في مجالات لا يخطر للفكر البشري عادة أن يلم بها ، لأنها ليست من طبيعة ما يفكر فيه عادة أو يلتفت إليه على هذا النحو . من هذا القبيل ما جاء في سورة الأنعام في تصوير حقيقة العلم الإلهي ومجالاته . .
« وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ ، وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ »
. . فهذه المطارح المترامية ، الخفية والظاهرة ، ليست مما يتوجه الفكر البشري إلى ارتيادها على هذا النحو ؛ وهو في معرض تصوير شمول العلم ؛ مهما أراد تصوير هذا الشمول . ولو أن فكرا بشريا هو الذي يريد تصوير شمول العلم لاتجه اتجاهات أخرى تناسب اهتمامات الإنسان وطبيعة تصوراته . . وذلك كما قلنا في تفسير هذه الآية من قبل في الجزء السابع : « ننظر إلى هذه الآية القصيرة من أي جانب فنرى هذا الإعجاز الناطق بمصدر هذا القرآن . ننظر إليها من ناحية موضوعها ، فنجزم للوهلة الأولى بأن هذا كلام لا يقوله بشر فليس عليه طابع البشر . . إن الفكر البشري - حين يتحدث عن مثل هذا الموضوع - موضوع شمول العلم وإحاطته - لا يرتاد هذه الآفاق . . إن مطارح الفكر البشري وانطلاقاته في هذا المجال لها طابع آخر ولها حدود . إنه ينتزع تصوراته التي يعبر عنها من اهتماماته . . فما اهتمام الفكر البشري بتقصي وإحصاء الورق الساقط من الشجر ، في كل أنحاء الأرض ؟ إن المسألة لا تخطر على بال الفكر البشري ابتداء . لا يخطر على باله أن يتتبع ويحصي ذلك الورق الساقط في أنحاء الأرض .