تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1783

مساهمون:

ص١٧٨٣
« كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ »
. . لا لأنه يمنعهم من الإيمان . فهذه دلائله قائمة في الكون ، وهذه مقدماته قائمة في اعتقادهم . ولكن لأنهم هم يحيدون عن الطريق الموصل إلى الإيمان ، ويجحدون المقدمات التي في أيديهم ، ويصرفون أنفسهم عن الدلائل المشهودة لهم ، ويعطلون منطق الفطرة القويم فيهم . ثم عودة إلى مظاهر قدرة اللّه ، وهل للشركاء فيها من نصيب .
« قُلْ : هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ؟ قُلِ : اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ . فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ؟ قُلْ : هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ؟ قُلِ : اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى ؟ فَما لَكُمْ ؟ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ؟ »
. . . وهذه الأمور المسؤول عنها - من إعادة الخلق وهدايتهم إلى الحق - ليست من بدائه مشاهداتهم ولا من مسلمات اعتقاداتهم كالأولى . ولكنه يوجه إليهم فيها السؤال ارتكانا على مسلماتهم الأولى ، فهي من مقتضياتها بشيء من التفكر والتدبر . ثم لا يطلب إليهم الجواب ، إنما يقرره لهم اعتمادا على وضوح النتائج بعد تسليمهم بالمقدمات .
« قُلْ : هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ؟ »
. . وهم مسلمون بأن اللّه هو الذي يبدأ الخلق غير مسلمين بإعادته ، ولا بالبعث والنشور والحساب والجزاء . . ولكن حكمة الخالق المدبر لا تكمل بمجرد بدء الخلق ؛ ثم انتهاء حياة المخلوقين في هذه الأرض ، ولم يبلغوا الكمال المقدر لهم ، ولم يلقوا جزاء إحسانهم وإساءتهم ، وسيرهم على النهج أو انحرافهم عنه . إنها رحلة ناقصة لا تليق بخالق مدبر حكيم . وإن الحياة الآخرة لضرورة من ضرورات الاعتقاد في حكمة الخالق وتدبيره وعدله ورحمته . ولا بد من تقرير هذه الحقيقة لهم وهم الذين يعتقدون بأن اللّه هو الخالق ، وهم الذين يسلمون كذلك بأنه يخرج الحي من الميت . والحياة الأخرى قريبة الشبه بإخراج الحي من الميت الذي يسلمون به :
« قُلِ : اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ »
. . وإنه لعجيب أن يصرفوا عن إدراك هذه الحقيقة ولديهم مقدماتها :
« فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ »
. . فتوجهون بعيدا عن الحق إلى الإفك وتضلون ؟
« قُلْ : هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ؟ »
. . فينزل كتابا ، ويرسل رسولا ، ويضع نظاما ، ويشرع شريعة ، وينذر ويوجه إلى الخير ؛ ويكشف عن آيات اللّه في الكون والنفس ؛ ويوقظ القلوب الغافلة ، ويحرك المدارك المعطلة . كما هو معهود لكم من اللّه ومن رسوله الذي جاءكم بهذا كله وعرضه عليكم لتهتدوا إلى الحق ؟ وهذه قضية ليست من سابق مسلماتهم ، ولكن وقائعها حاضرة بين أيديهم . فليقررها لهم الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وليأخذهم بها :
« قُلِ : اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ »
. . ومن هذه تنشأ قضية جديدة ، جوابها مقرر :
« أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ ؟ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى ؟ »
. . والجواب مقرر . فالذي يهدي الناس إلى الحق أولى بالاتباع ، ممن لا يهتدي هو بنفسه إلا أن يهديه غيره . .