تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1782

مساهمون:

ص١٧٨٢
وأين في البيضة كان الفرخ ؟ وأين يكمن كان العظم واللحم ، والزغب والريش ، واللون والشيات ، والرفرفة والصوت . . . ؟ وأين في البويضة كان الكائن البشري العجيب ؟ أين كانت تكمن ملامحه وسماته المنقولة عن وراثات موغلة في الماضي متشعبة المنابع والنواحي ؟ أين كانت نبرات الصوت ، ونظرات العين ، ولفتات الجيد ، واستعدادات الأعصاب ، ووراثات الجنس والعائلة والوالدين ؟ وأين أين كانت تكمن الصفات والسمات والشيات ؟ وهل يكفي أن نقول : إن هذا العالم المترامي الأطراف كان كامنا في النبتة والنواة وفي البيضة والبويضة ، لينقضي العجب العاجب الذي لا تفسير له ولا تأويل إلا قدرة اللّه وتدبير اللّه ؟ وما يزال البشر يكشفون من أسرار الموت وأسرار الحياة ، وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي ، وتحول العناصر في مراحل إلى موت أو حياة ، ما يزيد مساحة السؤال وعمقه وشموله كل يوم وكل لحظة . وإن تحول الطعام الذي يموت بالطهي والنار إلى دم حي في الجسم الحي ، وتحول هذا الدم إلى فضلات ميتة بالاحتراق ، لأعجوبة يتسع العجب منها كلما زاد العلم بها . وهي بعد كائنة في كل لحظة آناء الليل وأطراف النهار . وإن الحياة لأعجوبة غامضة مثيرة تواجه الكينونة البشرية كلها بعلامات استفهام لا جواب عليها كلها إلا أن يكون هناك إله ، يهب الحياة !
« وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ؟ »
. . في هذا الذي ذكر كله وفي سواه من شؤون الكون وشؤون البشر ؟ من يدبر الناموس الكوني الذي ينظم حركة هذه الأفلاك على هذا النحو الدقيق ؟ ومن يدبر حركة هذه الحياة فتمضي في طريقها المرسوم بهذا النظام اللطيف العميق ؟ ومن يدبر السنن الاجتماعية التي تصرف حياة البشر ، والتي لا تخطئ مرة ولا تحيد ؟ ومن ومن ؟
« فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ »
. . فهم لم يكونوا ينكرون وجود اللّه ، أو ينكرون يده في هذه الشؤون الكبار . ولكن انحراف الفطرة كان يقودهم مع هذا الاعتراف إلى الشرك باللّه ، فيتوجهون بالشعائر إلى سواه ، كما يتبعون شرائع لم يأذن بها اللّه .
« فَقُلْ : أَ فَلا تَتَّقُونَ ؟ »
. . أفلا تخشون اللّه الذي يرزقكم من السماء والأرض ، والذي يملك السمع والأبصار ، والذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ، والذي يدبر الأمر كله في هذا وفي سواه ؟ إن الذي يملك هذا كله لهو اللّه ، وهو الرب الحق دون سواه :
« فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ »
. . والحق واحد لا يتعدد ، ومن تجاوزه فقد وقع على الباطل ، وقد ضل التقدير :
« فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ ؟ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ »
. . وكيف توجهون بعيدا عن الحق وهو واضح بين تراه العيون ؟ بمثل هذا الانصراف عن الحق الواضح الذي يعترف المشركون بمقدماته وينكرون نتائجه اللازمة ، ولا يقومون بمقتضياته الواجبة ، قدر اللّه في سننه ونواميسه أن الذين يفسقون وينحرفون عن منطق الفطرة السليم وسنة الخلق الماضية لا يؤمنون :