ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ . فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ . . هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ ، وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ . وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ »
. .
هذه هي قصة الشفعاء والشركاء في مشهد من مشاهد القيامة ، مشهد حي أبلغ من الإخبار المجرد بأن الشركاء والشفعاء لن يعصموا عبادهم من اللّه ، ولن يملكوا لهم خلاصا ولا نجاة .
هؤلاء هم محشورون جميعا . . الكفار والشركاء . . وهم كانوا يزعمونهم شركاء للّه ، ولكن القرآن يسميهم « شركاءهم » تهكما من جهة ، وإشارة إلى أنهم من صنعهم هم ولم يكونوا يوما شركاء للّه .
هؤلاء هم جميعا كفارا وشركاء . يصدر إليهم الأمر :
« مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ »
. .
قفوا حيث أنتم . ولا بد أن يكونوا قد تسمروا في أماكنهم ! فالأمر يومئذ للنفاذ . ثم فرق بينهم وبين شركائهم وحجز بينهما في الموقف :
« فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ »
. .
وعندئذ لا يتكلم الذين كفروا ولكن يتكلم الشركاء يتكلمون ليبرئوا أنفسهم من الجريمة . جريمة أن عبدهم هؤلاء الكفار مع اللّه ، أو من دون اللّه ، وإعلان أنهم لم يعلموا بعبادتهم إياهم ولم يشعروا ، فهم إذن لم يشتركوا في الجناية ، ويشهدون اللّه وحده على ما يقولون :
« وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ : ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ . فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ »
. .
هؤلاء هم الشركاء الذين كانوا يعبدون . هؤلاء هم ضعاف يطلبون البراءة من إثم أتباعهم . ويجعلون اللّه وحده شهيدا ، ويطلبون النجاة من إثم لم يشاركوا فيه ! عندئذ ، وفي هذا الموقف المكشوف ، تختبر كل نفس ما أسلفت من عمل ، وتدرك عاقبته إدراك الخبرة والتجربة :
« هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ »
. .
وهنالك يتكشف الموقف عن رب واحد حق يرجع إليه الجميع ، وما عداه باطل :
« وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ »
. .
وهنالك لا يجد المشركون شيئا من دعاويهم ومزاعمهم وآلهتهم ، فكله شرد عنهم ولم يعد له وجود :
« وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ »
. .
وهكذا يتجلى المشهد الحي ، في ساحة الحشر ، بكل حقائقه ، وبكل وقائعه ، وبكل مؤثراته واستجاباته .
تعرضه تلك الكلمات القلائل ، فتبلغ من النفس ما لا يبلغه الإخبار المجرد ، ولا براهين الجدل الطويل ! ومن جولة الحشر الذي تسقط فيه الدعاوى والأباطيل ، ويتجلى فيه أن المولى هو اللّه المهيمن على الموقف وما فيه . إلى جولة في واقعهم الذي يعيشون فيه ، وإلى أنفسهم التي يعلمونها ، وإلى المشاهد التي يرونها في الحياة . بل إلى اعترافهم هم أنفسهم بأنها من أمر اللّه ومن خلق اللّه :
« قُلْ : مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ؟ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ ؟ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ