تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1742

مساهمون:

ص١٧٤٢
« فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ »
. فأما الذين آمنوا فقد أضيفت إلى دلائل الإيمان عندهم دلالة فزادتهم إيمانا ؛ وقد خفقت قلوبهم بذكر ربهم خفقة فزادتهم إيمانا ؛ وقد استشعروا عناية ربهم بهم في إنزال آياته عليهم فزادتهم إيمانا . . وأما الذين في قلوبهم مرض ، الذين في قلوبهم رجس من النفاق ، فزادتهم رجسا إلى رجسهم ، وماتوا وهم كافرون . . وهو نبأ من اللّه صادق ، وقضاء منه سبحانه محقق . وقبل أن يعرض السياق الصورة الثانية لاستجابتهم يسأل مستنكرا حال هؤلاء المنافقين الذين لا يعظهم الابتلاء ، ولا يردهم الامتحان :
« أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ؟ »
. والفتنة كانت تكون بكشف سترهم ، أو بنصر المسلمين بدونهم ، أو بغيرهما من الصور ، وكانت دائمة الوقوع كثيرة التكرار في عهد الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وما يزال المنافقون يفتنون ولا يتوبون ! فأما الصورة الحية أو المشهد المتحرك فترسمه الآية الأخيرة ، في شريط متحرك دقيق :
« وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ : هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا . صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ! »
. وإننا - حين نتلو الآية - لنستحضر مشهد هؤلاء المنافقين وقد نزلت سورة . فإذا بعضهم ينظر إلى بعض ويغمز غمزة المريب :
« هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ؟ »
. . ثم تلوح لهم غرة من المؤمنين وانشغال فإذا هم يتسللون على أطراف الأصابع في حذر :
« ثُمَّ انْصَرَفُوا »
. . تلاحقهم من العين التي لا تغفل ولا تنشغل دعوة قاصمة تناسب فعلتهم المريبة :
« صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ! »
. . صرفها عن الهدى فإنهم يستحقون أن يظلوا في ضلالهم يعمهون :
« بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ »
. . عطلوا قلوبهم عن وظيفتها فهم يستحقون ! إنه مشهد كامل حافل بالحركة ترسمه بضع كلمات ، فإذا هو شاخص للعيون كأنها تراه ! وتختم السورة بآيتين ورد أنهما مكيتان ، وورد أنهما مدنيتان . ونحن نأخذ بهذا الأخير ، ونلمح مناسبتهما في مواضع متفرقة في هذا الدرس وفي جو السورة على العموم . آيتين تتحدث إحداهما عن الصلة بين الرسول وقومه ، وعن حرصه عليهم ورحمته بهم . ومناسبتها حاضرة في التكاليف التي كلفتها الأمة المؤمنة في مناصرة الرسول ودعوته وقتال أعدائه واحتمال العسرة والضيق . والآية الثانية توجيه لهذا الرسول أن يعتمد على ربه وحده حين يتولى عنه من يتولى ، فهو وليه وناصره وكافيه :