( 10 ) سورة يونس مكيّة وآياتها تسع ومائة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
نعود مرة أخرى إلى الحياة مع القرآن المكي ، بجوه الخاص ، وظلاله وإيقاعاته وإيحاءاته . بعد ما عشنا فترة في هذه الظلال مع سورتي الأنفال والتوبة من القرآن المدني .
والقرآن المكي ، ولو أنه قرآن من القرآن ، يشترك مع سائره في خصائصه القرآنية العامة ؛ وفي تفرده من كل قول آخر لا يحمل الطابع الرباني الفريد العجيب ، في الموضوع وفي الأداء سواء « 1 » . . إلا أن له مع ذلك جوه الخاص ، ومذاقه المعين ، الذي يعينه موضوعه الأساسي ( وهو في اختصار : حقيقة الألوهية ، وحقيقة العبودية ، وحقيقة العلاقات بينهما ؛ وتعريف الناس بربهم الحق الذي ينبغي أن يدينوا له ويعبدوه ، ويتبعوا أمره وشرعه ؛ وتنحية كل ما دخل على العقيدة الفطرية الصحيحة من غبش ودخل وانحراف والتواء ؛ ورد الناس إلى إلههم الحق الذي يستحق الدينونة لربوبيته ) . . كما يعينه أسلوب العرض لهذا الموضوع .
وهو أسلوب موح ، عميق الإيقاع ، بالغ التأثير ؛ حيث تشترك في أداء هذا الغرض كل خصائص التعبير ، من البناء اللفظي ، إلى المؤثرات الموضوعية على النحو الذي فصلناه من قبل ، في سورة الأنعام « 2 » ، والذي سلم به هنا إن شاء اللّه .
ولقد كان آخر عهدنا - في هذه الظلال - بالقرآن المكي سورة الأنعام وسورة الأعراف متواليتين في ترتيب المصحف - وإن لم تكونا متواليتين في ترتيب النزول - ثم جاءت الأنفال والتوبة بجوهما وطبيعتهما وموضوعاتهما المدنية الخاصة - فالآن إذ نعود إلى القرآن المكي نجد سورتي يونس وهود متواليتين في ترتيب المصحف وفي ترتيب النزول أيضا . . والعجيب أن هناك شبها كبيرا بين هاتين السورتين وتلكما في الموضوع ، وفي طريقة عرض هذا الموضوع كذلك ! فسورة الأنعام تتناول حقيقة العقيدة ذاتها ، وتواجه الجاهلية بها ، وتفند هذه الجاهلية عقيدة وشعورا ، وعبادة وعملا . بينما سورة الأعراف تتناول حركة هذه العقيدة في الأرض وقصتها في مواجهة الجاهلية على مدار التاريخ . وكذلك نحن هنا مع سورتي يونس وهود . . في شبه كبير في الموضوع وفي طريقة العرض أيضا . . إلا أن سورة الأنعام تنفرد عن سورة يونس ، بارتفاع وضخامة في الإيقاع ،
هامش
( 1 ) تراجع المقدمة لهذا التفسير في الجزء الأول بعنوان : « في ظلال القرآن » كما تراجع مقدمة سورة آل عمران في الجزء الثالث .
( 2 ) يراجع تقديم سورة الأنعام في الجزء السابع . وتقديم سورة الأعراف في الثامن .