تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1741

مساهمون:

ص١٧٤١
ورفع إليه - صلى اللّه عليه وسلم - بعد إحدى المواقع أن صبية قتلوا بين الصفوف ، فحزن حزنا شديدا ، فقال بعضهم : ما يحزنك يا رسول اللّه وهم صبية للمشركين ؛ فغضب النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ؛ وقال - ما معناه - إن هؤلاء خير منكم ، إنهم على الفطرة ، أو لستم أبناء المشركين . فإياكم وقتل الأولاد . إياكم وقتل الأولاد . وهذه التعليمات النبوية هي التي سار عليها الخلفاء بعده : روى مالك عن أبي بكر الصديق - رضي اللّه عنه - أنه قال : « ستجدون قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم للّه فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له ، ولا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما » وقال زيد بن وهب : أتانا كتاب عمر - رضي اللّه عنه - وفيه : « لا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تقتلوا وليدا ، واتقوا اللّه في الفلاحين » . ومن وصاياه ! « ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا ، وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان ، وعند شن الغارات » . وهكذا تتواتر الأخبار بالخط العام الواضح لمستوى المنهج الإسلامي في قتاله لأعدائه ، وفي آدابه الرفيعة ، وفي الرعاية لكرامة الإنسان . وفي قصر القتال على القوى المادية التي تحول بين الناس وبين أن يخرجوا من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده . وفي اليسر الذي يعامل به حتى أعداءه . أما الغلظة فهي الخشونة في القتال والشدة ؛ وليست هي الوحشية مع الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة ، غير المحاربين أصلا ؛ وليست تمثيلا بالجثث والأشلاء على طريقة المتبربرين الذين يسمون أنفسهم متحضرين في هذا الزمان . وقد تضمن الإسلام ما فيه الكفاية من الأوامر لحماية غير المحاربين ، ولاحترام بشرية المحاربين . إنما المقصود هو الخشونة التي لا تميع المعركة ؛ وهذا الأمر ضروري لقوم أمروا بالرحمة والرأفة في توكيد وتكرار فوجب استثناء حالة الحرب ، بقدر ما تقتضي حالة الحرب ، دون رغبة في التعذيب والتمثيل والتنكيل . وقبيل ختام السورة التي تكلمت طويلا عن المنافقين ، تجيء آيات تصور طريقة المنافقين في تلقي آيات اللّه وفي استقبال تكاليف هذه العقيدة التي يتظاهرون بها كاذبين ؛ وإلى جانبها صورة الذين آمنوا وتلقيهم لهذا القرآن الكريم :
« وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً ؟ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ؛ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ . أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ، ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ؟ وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ : هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا . صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ »
. . والسؤال في الآية الأولى :
« أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً ؟ »
. . سؤال مريب ، لا يقوله إلا الذي لم يستشعر وقع السورة المنزلة في قلبه . وإلا لتحدث عن آثارها في نفسه ، بدل التساؤل عن غيره . وهو في الوقت ذاته يحمل رائحة التهوين من شأن السورة النازلة والتشكيك في أثرها في القلوب ! لذلك يجيء الجواب الحاسم ممن لا راد لما يقول :