بعد التوسع النسبي الذي جاء به انتصار بدر ! كما أنه - سبحانه - كان قد أعد المجتمع المدني بجملته ليكون هو القاعدة الأمينة بعد التوسع الشديد السريع الذي جاء به فتح مكة . . واللّه أعلم حيث يجعل رسالته . .
« وأول ما ظهر من ذلك كان يوم حنين الذي جاء عنه في هذه السورة : « التوبة » :
« لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ، وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ . ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها ، وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ »
. .
« وكان من الأسباب الظاهرة لهذه الهزيمة في أول الأمر أن ألفين من « الطلقاء » الذين أسلموا يوم الفتح ، قد خرجوا مع الآلاف العشرة من جند المدينة الذين فتحوا مكة . فكان وجود هذين الألفين - مع عشرة الآلاف - سببا في اختلال التوازن في الصف - بالإضافة إلى عامل المفاجأة من هوازن - ذلك أن الجيش لم يكن كله من القاعدة الصلبة الخالصة التي تمت تربيتها وتناسقها في الزمن الطويل ما بين بدر والفتح .
« كذلك كان ما ظهر في أثناء غزوة تبوك من الأعراض والظواهر المؤذية ثمرة طبيعية لهذا الاتساع الأفقي السريع ؛ ودخول تلك الأفواج الجديدة ، بمستوياتها الإيمانية والتنظيمية المخلخلة . . هذه الظواهر والأعراض التي تحدثت عنها سورة التوبة ، والتي اقتضت تلك الحملات الطويلة المفصلة المنوعة الأساليب ، التي أشرنا إليها في المقتطفات الممثلة لكل مقاطع السورة « 1 » » . .
وفي ضوء هذا البيان المجمل نملك المضي مع نصوص هذا الدرس تفصيلا :
« الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ ، عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ . أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ ، سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . .
بدأ بتصنيف الأعراب - وهم البدو - وقد كانت قبائل منهم حول المدينة ، وكانت لهم أدوار في الهجوم على دار الإسلام في المدينة - قبل إسلامهم - فلما أسلموا كانوا بوجه عام داخلين في الفئتين اللتين ورد وصفهما في هذه الآيات .
وقد بدأ الحديث عنهما بتقرير قاعدة كلية عن طبيعة الأعراب :
« الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »
. .
والتعبير بهذا العموم يعطي وصفا ثابتا متعلقا بالبدو وبالبداوة . فالشأن في البدو أن يكونوا أشد كفرا ونفاقا ، وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله .
والجدارة بعدم العلم بما أنزل اللّه على رسوله ناشئة من ظروف حياتهم ، وما تنشئه في طباعهم من جفوة ، ومن بعد عن المعرفة وعن الوقوف عند الحدود ، ومن مادية حسية تجعل القيم المادية هي السائدة . وإن كان الإيمان يعدل من هذه الطباع ، ويرفع من تلك القيم ، ويصلهم بالأفق الوضيء المرتفع على الحسية .
وقد وردت روايات كثيرة عن جفوة الأعراب . . ومما أورده ابن كثير في التفسير :
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع الجزء العاشر ص 1570 - 1578 وكذلك : ص 1593 - 1596 .