تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1698

مساهمون:

ص١٦٩٨
هذا الدرس بجملته تصنيف للمجتمع الإسلامي في ذلك الحين - إبان غزوة تبوك - يصور طوائفه وطبقاته الإيمانية الداخلة في تركيبه العضوي العام ، مع تميز كل منها بصفاته وأعماله . ولقد فصلنا القول في الجزء العاشر عند تقديم السورة عن الأسباب التاريخية التي أنشأت هذه المستويات الإيمانية المتعددة في الجماعة المسلمة في المدينة . فنجتزئ هنا من ذلك التفصيل بالفقرات الأخيرة منه ، لاستحضار الملابسات التي كانت تحيط بوجود هذه المستويات المتعددة في المجتمع الواحد : . . . « لقد كانت وقفة قريش العنيدة الطويلة حاجزا قويا دون انسياح الإسلام في الجزيرة العربية . فقد كانت قريش هي صاحبة الكلمة العليا في الشؤون الدينية في الجزيرة - فوق ما كان لها من نفوذ اقتصادي وسياسي وأدبي كذلك - فكانت وقفتها في وجه الدين الجديد ، بهذه الصورة العنيدة ، مدعاة لصرف العرب في أنحاء الجزيرة عن الدخول فيه ، أو على الأقل مدعاة للتردد والانتظار حتى تنجلي المعركة بين قريش وهذا النبي من أبنائها ! . . . فلما دانت قريش بالفتح ، ودانت بعدها هوازن وثقيف في الطائف ؛ وكانت قبائل اليهود الثلاث القوية في المدينة قد خضدت شوكتها نهائيا ، فأجليت بنو قينقاع وبنو النضير إلى الشام ، وأبيدت بنو قريظة ، واستسلمت خيبر الاستسلام الأخير . . كان ذلك إيذانا بدخول الناس في دين اللّه أفواجا ، وانسياح الإسلام في أرجاء الجزيرة كلها في خلال عام واحد . « غير أن هذا الاتساع الأفقي في رقعة الإسلام قد أعاد معه جميع الأعراض والظواهر التي ظهرت في المجتمع بعد انتصار بدر - ولكن على نطاق أوسع - بعد ما كاد المجتمع يبرأ منها بتأثير التربية الطويلة المدى ، المستمرة التأثير ، في خلال السنوات السبع بعد بدر الكبرى ! ولولا أن المجتمع المدني بجملته كان قد تحول إلى أن يكون هو القاعدة الصلبة الخالصة لهذه العقيدة ، والأساس الركين لهذا المجتمع ؛ لكان هناك خطر كبير من هذا الاتساع الأفقي السريع في رقعة الإسلام في الجزيرة . . ولكن اللّه الذي كان يدبر لهذا الأمر ويرعاه ، كان قد أعد العصبة المؤلفة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لتكون هي القاعدة الأمينة لهذا الدين
في ظلال القرآن — صفحة 1698 | سيد قطب